ما أكّده الرئيس الأميركي الحالي باراك اوباما هو أن "لديه حلم"، كما جاء في عنوان أحد كتبه. والمؤرخ الأميركي المختص بمعسكر اليسار في بلاده مايكل كازن يقدّم كتاباً تحت عنوان "الأحلام الأميركية" ويكرّسه للبحث في دور اليسار الأميركي، أي ما يعني خاصة معسكر اليساريين الأكثر تطرفاً، في "صياغة" الأحلام الأميركية وكيف ساهم في تطوّر الأمة الأميركية بوجه عام، كما يشير العنوان الفرعي للكتاب.
الموضوع الأساسي لهذا الكتاب يطال مسألتين أساسيتين هما "رؤية اليسار الأميركي" من جهة، و"التدمير الذاتي" الذي يمكن أن يمارسه هذا اليسار، من جهة أخرى. ومن خلال هاتين المسألتين يتعرّض لشرح تاريخ اليسار في أميركا منذ تأسيسها حتى الوقت الراهن.
ويعود المؤلف- المؤرخ إلى مطلع القرن التاسع عشر حيث بدأت تتكون مفاهيم "الحلم الأميركي" في التطلع نحو المستقبل. هذا المستقبل الذي يثير اليوم بعض "القلق" لدى المؤلف كما يشير في محصلة تحليلاته.
ما يتشارك فيه الأميركيون هو إرادة القيام بعملية تحوّل جذرية للمجتمع القائم على المساواة"، كما يكتب المؤلف ويضيف أن الأميركيين تقبّلوا منذ قرنين من الزمن هذا "الحلم" عبر "مجموعة من السبل، النسخ". ذلك تبعاً لمشارب اهتمامهم بإلغاء العبودية أو الدفاع عن حقوق المرأة أو الانتماء إلى النقابات "الراديكالية" أو "البوهيميين" أو غير ذلك من الفئات.
ويذكّر المؤلف باستمرار أن الحركات اليسارية الأميركية كشفت مرات ومرات عن أشكال "الضعف" و"السلبيات" في الحياة الأميركية، وساهمت عبر ذلك في "تطوير" و"تهذيب" ما يسميه بـ"الثقافة الأخلاقية" "كما تراها، في الولايات المتحدة الأميركية.
وما يؤكد عليه المؤلف بالمقابل هو أن الحركات السياسية، وإلى جانب مساهماتها على صعيد التطوّر الاجتماعي، قامت أيضاً أحياناً بـ"الإساءة إلى نفسها" مرات ومرات، عبر "تشرذمها إلى فئات تتصارع فيما بينها".
هذا بالإضافة إلى محاولتها أحياناً تطبيق "عدالتها الخاصة" أو عبر تشجيع "بعض السياسات غير المشروعة". ومن السمات التي يؤكد عليها المؤلف لدى "ساسة اليسار" أنهم "استفادوا أحياناً من عملية التدمير الذاتي" التي قام بها اليسار ويرى أنه حتى أولئك الذين طالبوا بإلغاء العبودية في سنوات 1850، عندما أطلقوا ما يسميه المؤلف بـ"الإصلاح الأكثر أهمية في تاريخ أميركا القائمة على مبدأ المساواة. إنما كانوا قد "دفعوا جانباً مناهضي العبودية المتطرفين" وتبنّوا برنامجهم. هكذا بدا أن السياسيين "التقليديين" هم أصحاب ذلك المشروع التحرري.
لكن فيما هو أبعد من مطلب "المجتمع القائم على المساواة" الذي رفعه اليساريون الأميركيون الراديكاليون، يحدد المؤلف القول أن "الماضي" الأميركي عرف الكثير من الشرور مثل "الإمبريالية البريطانية" و"العبودية" و"الإمبريالية الأميركية" و"الكساد الاقتصادي" و"عدم المساواة بين الجنسين" و"الحرب الباردة"، الخ. والتأكيد أن مفهوم الحرية لم يكن يمتلك باستمرار نفس الدلالة التي يمتلكها اليوم.
ذلك على خلفية كون التاريخ الأميركي هو بـ"الخط العريض" تاريخا "لبراليا بامتياز". لكن المؤلف يؤكد بالوقت نفسه أن "اليسار قاوم بقوة مسألة الاندماج والتمثّل الكامل لهذه النسخة من التاريخ الوطني الأميركي"، والإصرار بكل الحالات على تعريف اليسار أنه: "تلك الحركة الاجتماعية التي كرّست كل جهودها من أجل تغيير عميق لمجتمع يقوم على المساواة".
والإشارة أنه إذا كانت هناك بعض نقاط "اللقاء" بين اليساريين الراديكاليين واللبراليين الأميركيين الذين يؤكدون على رؤيتهم الخاصة لمفهوم "الحرية"، فإن التيارين اختلفا حول مسائل أساسية عديدة.
لكن في جميع حالات اللقاء "يفوز اللبراليون بالمنفعة". يكتب المؤلف: "أنهم ــ اليساريون الراديكاليون ــ يتصرفون عامة بمثابة شركاء في ائتلاف يقوده إصلاحيو المؤسسة القائمة"، أي اللبراليين. وفي جميع الحالات التي حقق فيها اليسار انتصاراً ما فإنه "لم يحصل على ذلك تحت "تسميته الخاصة فيه"، كما نقرأ. في المحصلة يرى "مايكل كازن" أنه كان لليسار الأميركي، وحتى الراديكالي منه، مفاهيم تقليدية حول السياسة الأميركية وطريقة "تطوّر" المجتمع.
ولا يتردد في القول أن "نخبة السلطة" الأميركية المتمثلة عامة باللبراليين قد قامت بـ"دعم الإصلاحات الكبرى" وتبّنت برامج محدودة أكثر من مطالب اليساريين الراديكاليين. ولكن بكل الحالات من أجل تحقيق غايات تبحث عنها. هكذا مثلا قام "ابراهام لنكولن" والجمهوريون وراءه بإجراءات تحررية عندما كانت الحرب الأهلية في منتصفها وحيث كان قد بدا من الواضح أن ذلك "قد يعجّل في انتصار الشمال" وبالتالي في "إنقاذ اتحاد" الولايات الأميركية- ثم إن "فرانكلين روزفلت" دعم حقوق العمال عندما كان بحاجة للأصوات في محكمة العمل.
الكتاب: أحلام أميركية
تأليف: مايكل كازن
الناشر: كنوبف نيويورك 2011
الصفحات: 352 صفحة
القطع: المتوسط
American dreams
Michael Kazin
Knopf ذ New York - 2011
352 .P