هناك علاقة خاصة بين الفرنسيين الذين ولدوا وعاشوا شطراً من حياتهم في الجزائر عندما كانت مستعمرة فرنسية ثم غادروها عندما اندلعت ثورة التحرير الجزائري في مطلع شهر نوفمبر- تشرين الثاني من عام 1954 أو إثر إعلان الاستقلال مباشرة عام 1962، وفي كتاب جماعي يسهم فيه 65 من الفرنسيين الذين كانت الجزائر "ملعب طفولتهم" أو "حاضنة شبابهم" ثم غادروها إلى فرنسا، بلادهم الأصلية.
حيث عاشوا على مدى سنوات عديدة نوعاً من "الغربة الحقيقية"، فالجزائر لا تزال ماثلة في عقولهم ومخليتهم. هذا بعيداً عن أي رابطة مع السياسة، بل بالبعد الإنساني وتعبيراً عن علاقة البشر بالأمكنة التي عاشوا فيها لفترة من الزمن.
إن هؤلاء الفرنسيين الذين كان قدرهم هو أن يولدوا في الجزائر ثم مغادرتها بعد استقلالها وعودتها لأبنائها دولة مستقلة ذات سيادة. لقد غادروا الجزائر وعاد بعضهم إليها زائراً أجنبياً، لكن في جميع الحالات لم تبارحهم كتلة الحنين التي تعيش بداخلهم لشمسها وبحرها وجبالها وصحرائها ولأشياء كثيرة عرفت الذاكرة كيف "تراوغ" دائماً كي لا تنساها، وهؤلاء جميعا كانوا قد تركوا وراءهم ذكريات شخصية وعائلية وبيوت وموتى في المقابر. والكثير منهم، أغلبيتهم، لا يزالون يتحدثون، أو يعيشون في أعماقهم الدفينة، ذكريات "جزائر الأيام السعيدة" بالنسبة لهم،
الكسندر اركادي، المخرج السينمائي، وصاحب العديد من الأفلام مثل "الصيف الأخير في طنجة" و"الكرنفال الكبير"، يشير إلى أن الجزائر موجودة في جميع أعماله، ويتذكر "قبر أمه". أما الممثلة الشهيرة نيكول غارسيا فتؤكد أنها "نسيت الجزائر خلال عدة سنوات"، لكنها تتحدث بالتفصيل عن ذلك اليوم، عندما غادرت مدينة "وهران" بغرب الجزائر. كان عمرها آنذاك 15 سنة. ذلك في الفترة التي كانت فيه "سفن محمّلة بالمسافرين القادمين من الجزائر ترسو في مختلف الموانئ الفرنسية".
وتتذكر أنها مثلت في فيلم "السؤال" الذي عالج عمليات التعذيب الذي قام فيها الجيش الفرنسي في الجزائر، واعتبرت أسرتها ذلك "فضيحة" وأصبحت "شخصا غير مرغوب فيه بالعائلة". ثم "عادت الجزائر" بقوة إلى ذاكرتها عندما وصلت ذات يوم إلى المغرب، ذلك أن "الروائح والنباتات وشمس المغرب أعادت في كل ما كان دفيناً في داخلي"، كما تكتب، وأضافت أنها اكتشفت عندها أنها "لم تنس أي شيء".
ويتحدث "ايف فانسان"، الممثل المسرحي الذي لعب أدواراً في مسرحيات كتبها جان كوكتو وغيره ويعتبره النقاد كأحد "روّاد" الممثلين المسرحيين الفرنسيين، عن "ماء عين طاية الرقراق". ويشير أنه "اعتقد لفترة طويلة أنه انفصل نهائياً" عن الجزائر. ولكن بعد سنوات وسنوات و"دون أن يعرف السبب" أصبحت صور طفولته في الجزائر تعود إليه مثل "لقطات من فيلم سينمائي".
يكتب "الشيء الأكيد هو أنه كلما تقدّم الزمن إلى الأمام تطفو الذكريات على السطح أكثر فأكثر". ويضيف: "كم أحب أن أرى من جديد نبع عين طاية العذب". ومن نص للممثل الفرنسي الشهير جان كلود بريالي، الذي توفي عام 2007، و"بطل" فيلم "سيرج الجميل" وساهم في التمثيل بأكثر من مائة فيلم، يكتب بإصرار: "الجزائر هي بلاد قلبي"، ويضيف: "لكن جزائر السياسة والحرب ليست الجزائر التي تعنيني".
وبعد أن يشير إلى زياراته المتكررة إلى الجزائر وإلى علاقاته الحميمة مع بعض الممثلين الجزائريين "الرائعين" كما يصفهم، يصرّح قوله: "إنني شديد الإعجاب باعتزاز هذا الشعب بنفسه وبإرادته المصممة". و"الجزائر ملعب الطفولة" تتردد في جميع الشهادات التي يضمها هذا الكتاب تقريباً. والتأكيد أيضاً على "استمرار الذاكرة والذكريات" و"الحنين إلى الشمس والأرض ورائحتها وسوق القصبة في الجزائر وحي باب الوادي وشاطئ زرالدة".
وشهادات مكتوبة بقدر كبير من "الانفعالات"، وعودة إلى الماضي وذكرياته وأمكنته دون الخوض بالتاريخ الذي عرفته الجزائر، المستعمرة ثم المستقلّة.
الكتاب: الجزائر كما أراها
تأليف: مونيك أيّون، جان بيير ستورا
الناشر: هوغو - باريس- 2012
الصفحات: 271 صفحة
القطع: المتوسط
Mon Algérie
Monique Ayoun, Jean-Pierre Stora
Hugo - Paris- 2012
271 .p