قدّم المؤرخ البريطاني ايان كيرشو كتاباً غدا مرجعاً كلاسيكياً عن "سيرة حياة هتلر"، وكتاباً آخر ليس أقل شهرة عن "خياراته المصيرية". وهو يشرح في كتابه الذي يحمل عنوان "النهاية" الذي يكرّسه لتفسير الأسباب التي جعلت الجيش النازي "الرايخ الثالث" يخوض الحرب العالمية الثانية حتى النهاية، والتي كانت أيضا نهاية النظام الهتلري ونهاية هتلر نفسه تحت أنقاض مقرّه في برلين.
تجدر الإشارة أن هذا الكتاب عرف حتى الآن عدة طبعات متلاحقة. سلسلة من الكتب صدرت وحاول فيها أصحابها شرح الأسباب التي دعت إلى هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الثانية، لكن بالمقابل جرى إلى حد كبير إهمال البحث عن الأسباب التي جعلت ألمانيا النازية تستطيع أن تصمد طويلاً خلال سنوات طويلة استمرّت عمليا من عام 1939 حتى عام 1945، وكانت "منتصرة" خلال السنوات الأولى من تلك الحرب.
ما يؤكده المؤلف هو أن قوات "الرايخ الثالث" لم تستسلم واستمرت في خوض غمار الحرب حتى التدمير شبه الكامل لألمانيا من قبل قوات الحلفاء، وبعد سلسلة طويلة من الهزائم على الجبهات الخارجية وحتى كانت القوات الروسية قد وصلت إلى بوابات برلين وبعد أن كانت ألمانيا قد وقعت بالقسم الأكبر منها تحت احتلال القوات الأجنبية.
والإشارة أنه في عامي 1944 و 1945، أي خلال الفترة الأخيرة، النهائية، للحرب وحيث كان قد بدا للعيان بوضوح أن ألمانيا مهزومة في الحرب، رفض النازيون أن يطلبوا السلام، هذا ناهيك عن قبولهم إعلان الاستسلام إلا في عام 1945. قبل هذا الإصرار والذهاب في منطق الحرب الخاسرة حتى نهاياتها يمثل، برأي المؤلف، نوعا من "الاستثناء التاريخي النادر".
ويقوم ايان كيرشو بالاعتماد على كمٍ كبير من الشهادات لمواطنين ألمان خاضوا الحرب العالمية الثانية وكان بعضهم من مناصري النازية، بشرح السياق الذي عرفته ألمانيا خلال العامين الأخيرين من الحرب، وبالتحديد منذ المؤامرة الفاشلة في شهر يوليو عام 1944 التي أراد القائمون فيها الانتهاء من هتلر ومن نظامه وحتى إعلان الاستسلام النهائي للألمان في عام 1945.
ويشير المؤلف أن ادولف هتلر كان "مسكونا" بفكرة عدم تكرار الهزيمة "المخجلة" التي كانت ألمانيا قد عرفتها في الحرب العالمية الأولى 1914- 1918 والتي انتهت بتوقيع اتفاقية فرساي الشهيرة، والتي أراد فيها خصوم ألمانيا "إذلالها" وبذروا بذلك فكرة الثأر لدى الألمان.
وما يتردد هو أن تلك الفكرة كانت العامل المؤثر في إصرار قوات الرايخ الثالث على عدم قبول الهزيمة من جديد، ثم إن طريقة الحكم الاستبدادي الذي مارسه هتلر والنازية منعت قيام حركات احتجاجية داخل الجيش الألماني ضد الحرب.
هكذا ورغم الوضع العسكري "الميئوس منه" أطاع المقاتلون أوامر جنرالاتهم في الوقت الذي استمر فيه النظام النازي بقمعه الرهيب لكل من رأى بهم خطرا مثل اليهود والعمال الأجانب عموما. ويشرح المؤلف على مدى العديد من الصفحات أنه حتى في الوقت الذي كانت فيه قنابل الحلفاء تمطر ألمانيا كلها وتزرع الدمار والخراب استمر المجتمع الألماني بالمحافظة على إظهار قبوله للحرب، وأن الوضع "طبيعي" خلال الشهور الأخيرة للحرب. بل إن "اوركسترا برلين الموسيقية" قامت بالعزف حسب المعتاد بتاريخ 12 ابريل من عام 1945، أي قبل أسابيع قليلة من انتحار أدولف هتلر.
أما النهاية، فلها بدايتها... ويحدد المؤلف "بداية" نهاية النظام النازي أنه عندما كانت قوات الحلفاء على الأبواب حاول طالب ألماني اسمه روبرت ليمبيرت إعاقة جهود الرايخ الثالث في الدفاع عن المدينة فقطع أسلاك الهاتف وبالتالي قطع الاتصال مع القيادة. حُكم على الطالب بالموت، لكن الجمهور لم يقم بأي عمل لمساعدته ولا حتى عندما نجح في الهرب للحظة ما.
كان ذلك مؤشرا واضحا على تلاحم المجتمع الألماني وعدم تمرّده على النظام الهتلري. إن تفسير ذلك يجده المؤلف في فشل محاولة اغتيال هتلر عام 1944 وما تبع ذلك من صناعة عمياء داخل الجيش في ظل قبضة حديدية مارسها ثلاثة قادة نازيين هم: هملر، رئيس الأجهزة السرية، وغوبلز مسؤول الدعاية الوطنية، ومارتان بورمان حارس هتلر و"مهندس إحكام الحزب النازي قبضته على السلطة".
ويسوق المؤلف عددا من الإحصائيات على مظاهر القمع مثل إصدار المحاكم العسكرية الألمانية الحكم بإعدام 000 20 جندي في الوقت الذي لم تكن نظيراتها خلال الحرب العالمية الأولى لم تحكم بذلك سوى على "48" جندياً.
ولجأ غوبلز مسؤول "التضليل الإعلامي" إلى إشاعة الرعب لدى الألمان عبر تضخيم "الفظائع" التي ارتكبها الجيش الأحمر، السوفييتي، في القرى البروسية الأولى التي احتلها. هذا إلى جانب استثمار "ذاكرة حرب 1914- 1918". ومن الأسباب التي يقدمها المؤلف لاستمرار الحرب "قناعة هتلر بأهمية الذاتية" وحيث كان على قناعة بعد فشل محاولة اغتياله أن "زعامته هي الفارق بين حياة ألمانيا وموتها".
الكتاب: النهاية.. تقهقر ألمانيا النازية وخرابها
تأليف: ايان كيرشو
الناشر: بنغوان برس- لندن 2011
الصفحات: 592 صفحة
القطع: المتوسط
The end
Ian Kershaw
Penguin -
London - 2011
592 .p