من الجمل الشهيرة للجغرافي الفرنسي الشهير ايف لاكوست تلك التي جعلها عنواناً لأحد كتبه وجاء فيها: "تخدم الجغرافيا أولًا في صنع الحرب". كان ذلك بمثابة فهم خاص لدور الجغرافيا في تحديد الجيوسياسات العالمية. وتضيف الباحثة في جامعة "بيركلي" ميشال بيرتو- هويدال عاملا آخر في مجال الجيوسياسة تحدده في المؤسسات التي تعمل في حقل المساعدة الإنسانية. عنوان الكتاب هو" أعمال المساعدة الإنسانية، السوق الكبير للصحة العالمية".

تبدأ المؤلفة في التأكيد أن أعمال المساعدة الإنسانية، بالمعنى المستخدم اليـــوم في العالم عامة وفي الغرب خاصة هي "اختراع انكلوسكسوني". والإشـــارة مباشرة إلى العدد الكبير من أولئك الأميركيين الأثرياء الذين "اقتدوا" بشخصيات شهيرة في الميدان المعني، من أمثال "جون روكفلر" و"اندرو كرنيجي"، وقــــــرروا المساهمة في تنظيم عملية "إعادة توزيــــع الثــــــروات" عـــلى نطاق واسع. ذلك من أجــــل بلـــوغ هدفيـــن بالوقــــت نفسه، فمن جهـــة بلـــوغ درجة عاليـــة من الرضى على النفس، ومن جهة أخرى "تحسين أحوال" عدد أكبر من البشر.

ومن أشهر الأسماء التي "تلمع" في عالم المساعدات الإنسانية الرامية إلى رفع مستوى التنمية في العالم وتحسين مشارب مفصلية مثل الصحة والعناية الصحية والعلاج هناك "بيل غيتس"، مؤسس مجموعة ميكروسوفت الشهيرة في عالم المعلوماتية والاتصالات والصناعات الرقمية، والإشارة أن مؤسسته، وعددا من المؤسسات الأخرى، غدت قوى فاعلة أساسية بجميع المسائل المتعلقة بالصحة العامّة. والإشارة أيضاً أن "بيل غيتس" يقوم بإدارة "مؤسسته الخيرية" كشركة خاصة مع إعطاء نفس القدر من الاهتمام للجوانب المتعلقة بالمردود، وكذلك بالفعالية.

وتلاحظ المؤلفة أنه نتيجة لعمل المؤسسات المعنية بالعمل الإنساني أصبحت الصحة العالمية" مخصخصة " إلى درجة كبيرة"، والدليل على ذلك تجده في الأعمال التي تقوم بها مؤسسة "بيل وميلندة غيتس" ذلك أنه: "ليس هناك أي قرار في مجال الصحة العامة يمكن اتخاذه أو تطبيقه دون مساهمتها. وهي تمارس تأثيرها المباشر على توجهات البحث العلمي. بالتالي غدت مهمة أولئك الذين قد يريدون ممارسة دور سلطة مضادة أو قد يمثلون بديلًا أكثر ضرورة وأكثر إلحاحاً وأكثر صعوبة بالوقت نفسه"، كما نقرأ.

لكن بمقدار تزايد نفوذ وحضور المؤسسات المعنية، تزايدت وارتفعت حدة أشكال النقد من قبل المؤسسات غير الحكومية والسلطات المحلية ومن السكان المحليين ومن جهات أخرى كثيرة. ذلك كله على خلفية القول أن هذه المؤسسات تقيم في واقع الأمر "علاقات تخدم مصالح شركات صناعات الأدوية الكبرى"، وأنها، أي المؤسسات، "تجهل إلى حد كبير الحقائق الثقافية والاجتماعية المحلية، هذا فضلاً عن "المنافسة" التي تقوم مع دول البلدان المعنية بالمساعدة الإنسانية.

ويتم التأكيد في هذا الإطار على أنه لا يمكن فصل الظاهرة عن سياقها الأميركي وعن مفاهيم حرية العمل وممارسته مختلف النشاطات كما تؤكد المقولات اللبرالية. والتأكيد أيضا أن الخلفية الأساسية التي للنشاط "الإنساني" تتمثل في محاولة النموذج الرأسمالي ومعالجة أشكال البؤس في العالم بهدف "تعزيز نفوذ الولايات المتحدة".

وكان اندرو كارنيجي، رئيس شركة كارنيجي للتعدين وجون روكفلر، رئيس شركة ستاندارد للنفط، قد أنشآ، كل منهما، مؤسسة للمساعدة الإنسانية. ثم جاء بيل غيتس، الثري الكبير في عصر المعلوماتية ليصبح "الرمز الجديد لتطور المساعدة الإنسانية" عبر استخدام التكنولوجيا والعلم كـ"سلاح" في منظور دفع "الرأسمالية الخلاقة" إلى الأمام ولإعطائها "دور ريادي" عبر المساعدات الإنسانية. هكذا التزمت مؤسسته في أعمال "إنسانية" في الهند وبتسوانا وغيرهما.

 

الكتاب: أعمال المساعدة الإنسانية

تأليف: ميشال بيرتو- هويدال

الناشر: فاندميير- باريس 2012

الصفحات:240 صفحة

القطع: المتوسط

 

Charity business

Michelle Bertho- Huidal

Vindemaire - Paris - 2012

240 .p