مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الأميركية في مطلع شهر نوفمبر المقبل. برزت في الواجهة عدة كتب عن الرئيس الأميركي الحالي باراك أوباما، المرشح الديمقراطي لفترة رئاسية ثانية. ومن بين هذه الكتب العمل الذي قدمه الرئيس السابق للقسم السياسي في صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية الشهيرة رون سوسكند.

والذي صدر للمرة الأولى في عام 2011، ثم جرى طبعه لمرات كان آخرها قبل فترة وجيزة. ولا شك أن هذا الكتاب يشكّل بالنسبة للكثيرين مرجعا رئيسيا من أجل فهم "شخصية الرئيس الاستثنائي في ظل مستقبل غير واضح"، أي باراك اوباما.

إن رون سوسكيند يقوم بعملية توصيف وتحليل للعامين الأولين من رئاسة باراك أوباما، وما أعلنه من "وعود كبيرة" والتي تمثلها بامتياز، كما يقول المؤلف، الجملة التي رددها في خريف عام 2008 وجاء فيها ما مفاده: "إنني مرشح لرئاسة الولايات المتحدة الأميركية ذلك أنه لا ينبغي تعريض أحلام الشعب الأميركي للخطر أكثر".

 

فماذا يقول الواقع؟

ويرى المؤلف أن أوباما أظهر عدم "امتلاك الإرادة المصممة" عندما رفض أن يرفع مشروعه للنهوض الاقتصادي إلى أكثر من (1000) مليار دولار أو عندما رفض القيام بعملية تأميم لـ"سيتي بانك". ذلك رضوخا لما أراده بعض مستشاريه. وقد لا يغيّر في الأمر شيئا اليوم إدراكه أن سياسته في "ممارسة السلطة" لم تكن ذات طابع يمكنه معه تغيير التوجه نحو تحقيق نهوض حقيقي. وفي كل الحالات تبقى "الورقة الرابحة" الأكبر لدى أوباما هي تذكّر الأميركيين للحالة السيئة التي دفعتهم إليها السياسة الاقتصادية للرئيس الأميركي السابق جورج وولكر بوش.

ويرى مؤلف هذا الكتاب أنه لا يمكن لأحد أن "يصبح رئيسا من يوم إلى آخر". ولكن يمكن للطريقة التي تتم فيها مواجهة أزمة كبرى أو حدث كبير أن تساهم في صناعة "الزعيم". هكذا لم يعرف باراك أوباما أن ينتهز الفرصة التي سنحت له عام 2009 كي "يهزّ الشعب الأميركي ويكشف بذلك أنه زعيم جدير بهذه التسمية".

لقد كان يمتلك آنذاك أغلبية في الكونغرس، وكانت الولايات المتحدة الأميركية تعيش أكبر حالات الكساد منذ عام 1929، أي منذ ما عرف يومها بـ"الكساد الكبير". أمام ذلك كله لم يتصرّف أوباما، كما يرى المؤلف، كما ينبغي أن يتصرف الزعيم القائد مثلما عرفته أميركا في سنوات الثلاثينات من القرن الماضي مع سياسة "الإصلاح الكبير" التي انتهجها فرانكلين روزفلت، بل أعتقد أنه بإمكانه أن يقوم بـ"جمع أميركا" كلها حول "نموذج جديد من الزعامة" يقوم على أساس "التسامح"، بحيث يلتف الجميع حول "القضية المشتركة". ومن النقاط الأساسية التي يؤكّد عليها المؤلف هو أن الرئيس باراك أوباما أفرط كثيرا في التعويل على "شخصيته الجذابة" .

وعلى "بلاغته في الخطابة"، لكنّ هاتين الصفتين ليستا كافيتين، كما يشرح رون سوسكيند. ويذكر أنه عندما تولّى لندون جونسون رئاسة الولايات المتحدة الأميركية، بعد اغتيال جون فيتزجيرلاد كندي، أعاب عليه مستشاروه أنه يريد أن يقود البلاد بيد من حديد وبطريقة "لا تليق" بإرث جون كندي. على أولئك المستشارين أجاب جونسون: "يا إلهي، ماذا تعتقدون هي وظيفة السلطة؟

ويعلن المؤلف عن نوع من الأسف في قوله إن باراك أوباما اعتقد أن أصوله ذات الطابع الدولي وكون أنه نتاج زواج مختلط بين رجل إفريقي وامرأة أميركية "بيضاء" إنما يوفّر الصفات الكافية لممارسة الحكم. الحقيقة.

كما يحددها المؤلف، هي أن الأزمة الهائلة التي واجهها الأميركيون تتطلب "نوعاً آخر" من الصفات.إن الملامح الأساسية للصورة التي يرسمها المؤلف لباراك أوباما هي أنه بحث باستمرار، خلال ممارسته للسلطة خاصة في العامين الأولين، عن نوع من موافقة الجميع "القبول العام". ذلك من خلال "التوفيق" بين "مواقف لا تمكن المصالحة بينها غالباً" لدى المحيطين فيه من مستشارين ومسؤولين. وفي المصلحة أصبح باراك أوباما "لعبة لمصالح وول ستريت وللمجموعات السياسية الباحثة عن تحقيق مراميها في واشنطن".

ويذكر المؤلف سلسلة من الاجتماعات التي عرفها البيت الأبيض بين أوباما ومستشاريه. وفضلاً عن أنها كانت "سيئة التنظيم" فإنه لم يتم الوصول في نهايتها إلى أية قرارات. وهذا ما يتم وصفه بـ"غياب الرؤية" لدى أوباما وعدم قدرته على فرض إرادته. ومثل هذا الإطار يجده المؤلف بمثابة السبب الأساسي الذي جعل الهاوي اللامع أوباما لم يعرف كيف يستفيد من الأزمة المالية الكبرى من أجل القيام بإصلاحات حقيقية عميقة كان منها أن تحقق النهوض المنشود للشعب الأميركي.

 

 

 

 

 

الكتاب: رجال الثقة

تأليف: رون سوسكيند

الناشر: هاربر نيويورك 2011

الصفحات: 528 صفحة

القطع: المتوسط

 

 

 

 

Confidence Men

Ron Suskind

Harper ذ New York 2011

528 .P