يرى سعد الدين هلالي أن الدافع وراء وضع كتابه المهارة الأصولية وأثرها في الانضاج والتجديد الفقهي هو الغيرة على شريعتنا الإسلامية التي اتهمها البعض بالتخلف أمام المتغيرات التي طرأت على العالم تحت ما يسمى بثورة المعلوماتية في الإلكترونيات والتقنيات، ثم الفضائيات، وشبكة المعلومات (الانترنت)، والاتصالات المتنقلة (المحمول)، وغزو الفضاء، والهندسة الوراثية، وظهور التكتلات المالية الكبرى وتحكمها بالاقتصاد العالمي. لذلك رأى المؤلف تجديد دراسته الفقهية لتجمع بين التأصيل لخدمة الشريعة الغراء وبين تلك المتغيرات والمستحدثات الحياتية، جازماً بأحقية تلك الشريعة في ريادة العالم، لتمكنها من الوفاء بحاجات الناس ومصالحهم وقدرتها على تأمين المجتمع في ظل مسيرته الحضارية، لما تتمتع به من أصول محكمة، وقواعد ثابتة.
ويؤكد هلالي حال استعراضه الأدلة الشرعية أن الله تعالى نصبها للاستدلال على الحكم الشرعي وليس للنص عليه، وذلك تقديراً للعقل الانساني الذي خلقه الله مؤهلاً للفهم والادراك، فهو الذي يستنبط من النصوص الشرعية الأحكام المُسماة بالشرعية وعليه أن يتدرب على طرق الاستنباط ليحصل على أجر الاجتهاد، فإن حالفه التوفيق في الحكم نال أجراً ثانياً. وهذا الوضع الإلهي للأدلة الشرعية جعل الأحكام الإسلامية أحكاماً متجددة، لتصلح مع اختلاف الزمان واختلاف المكان.
ويؤكد هذا اختيار الله تعالى للغة العربية لغة للخطاب الشرعي، لما في تلك اللغة من ثراء وغزارة، فألفاظها تدور مع العموم والخصوص، والإطلاق والتقييد، والحقيقة والمجاز، والإفراد والاشتراك، وغير ذلك مما يُعد ذخيرة للمنظومة التشريعية الإسلامية.
ويضيف أن مصدر التشريع الأول وهو القرآن الكريم، يأمرنا باتباع الرسول (صلى الله عليه وسلم) وعدم التفريط في رسالته ، فكانت السُنّة مصدراً للتشريع بكل أوجهها القولية والفعلية. واستطاع الفقهاء الأوائل أن يثبتوا توالد الشريعة، وقدرتها على استيعاب المستجدات بالأحكام، من خلال دراساتهم للكتاب والسنّة
ويلفت المؤلف الى أن التمرس بهذه الرياضة الذهنية أثمر عند فقهائنا الأوائل أمرين عظيمين:
الأول: التمكن من وضع القواعد الفقهية التي توصلوا إليها من طريق جمع المسائل المتماثلة الأحكام.
الثاني: الاستفادة من الثروة الفقهية الخلافية، اذ أثبتوا أن الخلاف الفقهي مصدر ثراء فكري وسبيل لتبادل احترام المسلمين بعضهم بعضاً، وهو مظهر المرونة التشريعية والحضارة الانسانية، غير أنه لا يستساغ في مواجهة اجتهاد آخر، وإلا كان تصادماً، ومن ثم فلا يصح في مواجهة حكم قضائي أو إداري أو سياسي ملزم.
وقد استفاد المؤلف من هذه الثروة الفقهية الخلافية وأورد النتائج التالية:
أولاً: إن البناء التشريعي الإسلامي قائم على احترام عقل الإنسان وآدميته. ثانياً: إن الأحكام الشرعية توصف بالشرعية مجازاً لمجرد اعتمادها على الكتاب والسنّة، والحقيقة أنها أحكام فقهية، تمثل عمراً بشرياً من نتاج المجتهد .
ثالثاً: إن معرفة الأحكام الشرعية لأي مسألة من المسائل تستلزم علمين: علماً دينياً وعلماً حياتياً، يُعبر عنهما في علم الأصول: بالحكم التكليفي والحكم الوضعي، كما يُعبر عنهما في الفقه: بعلم الرواية وعلم الدراية. أما علم الرواية فهو الخاص بالأوامر والنواهي الثابتة في القرآن الكريم أو السنّة المطهرة، وأما علم الدراية فهو الخاص بالأوضاع الحياتية أو الكونية، وكذلك الأوضاع اللفظية.
الكتاب: المهارة الأصولية وأثرها في إنضاج الفقه وتجديده
تأليف: سعد الدين مسعد هلالي
الناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب القاهرة2012
الصفحات: 528 صفحة
القطع: المتوسط