تعتبر معركة "رأس العش" واحدة من المعارك المهمة والتاريخية، مع أنها لم تحسم حربا، كما أنها ليست من المعارك الكبرى من الناحية العسكرية، مثل تلك التي وقعت في الحرب العالمية الثانية (مثلا). وترجع أهمية تلك المعركة، إلى أنها أول مواجهة حقيقية بين الجندي المصري والاسرائيلي، بعد أن اتضحت معالم النكسة والهزيمة خلال ساعات قليلة من بداية المعارك في الخامس من يونيو 1967.
كما جاءت معركة "رأس العش"، للتعبير عن مرحلة جديدة من مراحل الحرب التي بدأت ولن تنتهي إلا بتحرير الأرض. هكذا كان القرار السياسي، وخروج الجموع في التاسع والعاشر من يونيو معلنة رفضها للهزيمة، وتطالب بالثأر مما حدث وتحرير سيناء. ورفع شعار "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة"، وبدأت مؤسسات الدولة تتكيف مع هذا المطلب، منها المؤسسة العسكرية. فقد تم اختيار قيادات جديدة، وتحديد حجم الاحتياجات العسكرية، ومعاودة التدريب وتأهيل الأفراد لمعركة طويلة المدى من جديد. وبدأت أفراد وتشكيلات قوات الصاعقة في الخطوات العملية، وإعادة بناء التشكيلات والتنفيذ فورا على الأرض، استعدادا للثأر.
وبالفعل أصبحت قوات الصاعقة الأكثر جاهزية والقدرة على التعامل مع العدو، وهو ما تجلى واضحا في معركة "رأس العش"، تلك التي بدأت وانتهت بعد حوالي الشهر من الهزيمة. فقد أبلغ أحد المرشدين العاملين بهيئة قناة السويس، بأن بعض القوات المدرعة للعدو قد بدأت تتحرك في منطقة الكاب باتجاه مدينة "بور فؤاد" شمال قناة السويس. وصدرت الأوامر بحماية بور فؤاد ومنع تقدم تلك القوات. وتقع منطقة رأس العش غرب بور فؤاد وتعتبر المدخل المهم للمدينة من جهة سيناء.
بينما كان هدف العدو هو بالسيطرة على بور فؤاد يكون قد أتاح السيطرة على كل الجانب البري الشرقي لقناة السويس، ثم يبدأ في المساومة على فتح قناة السويس، على أن يحصل على نصف الإيرادات! وهو ما جعل القرار بإفشال محاولة العدو مهما كانت النتائج. وتحركت قوات العدو (11 دبابة) وفصيلة مشاة ميكانيكية (30 جنديا)، و6 عربات (نصف جنزير)، و3 هياكل دبابات عليها مدافع ذاتية الحركة.
أما تسليح فصيلة الصاعقة المصرية فلم يزد عن 10 مدافع مضادة للدبابات، ومدفعين رشاش متوسط، ومدفع (آر.بى.جى) وهو السلاح الجديد الذي لم يتدرب عليه سوى جندي واحد مشارك هو الرقيب حسني سلامة والذي لقب بـ"الكانغرو المصري".
بدأت المعركة بطائرة هليكوبتر طارت على انخفاض كبير جدا للاستطلاع، حتى أن الجنود المصريين شاهدوا بسمة الطيار الساخرة، فالجميع يرى بعضهم البعض في المنطقة، وكان الطيار يرسل رسالة ساخرة. وبدأ العدو بإطلاق النيران، على خزان المياه، حيث كان هو مركز الاستطلاع وتوجيه النيران للمصريين مع بداية المعركة.. ثم ضرب الفصيلة المصرية في غرب القناة لمدة 3ساعات، مما أدى إلى استشهاد أربعة جنود.
وإصابة الكثيرين. وفي الليل بدأ العدو في التركيز على ضرب الفصيلة في منطقة شرق القناة، إلا أن تقدم قوات العدو كان بطيئا بسبب الألغام التي زرعها المصريون، ولضيق الطريق في المنطقة. وبالفعل رد المصريون بضربهم، مما جعل العدو يتوقف عن التقدم لإعادة دراسة الموقف، وان استمر في إطلاق النيران الكثيفة على موقع الجنود، وحدثت بالفعل الإصابات..
وبعدها فشلت محاولة تطويق القوات المصرية من الخلف. ومضت الدقائق ليبدأ العدو في التقدم على الطريق الضيقة من جديد، بعد إزالة الألغام.. إلا أن الرقيب "حسني" استطاع تدمير دبابة وعربتين، مما دفع العدو للتراجع. وقد تابع "جمال عبدالناصر" المعركة، وأمر بترقية الجميع ومنحهم الأوسمة، بعد أن أمر العمل على توصيل خط تليفونه الشخصي بالملازم الشاب "فتحي عبدالله" قائد الفصيلة مباشرة، ومتابعة ما يستجد.
ثم أعلن عن استشهاد نصف أفراد الفصيلة وإصابة البعض الآخر، إلا أن الملازم "الزهيري" على الضفة الأخرى من القناة، قرر مع أفراده احتلال موقع فصيلة الصاعقة، ليكون على مقربة من قوات العدو.. فاشتبك مع العدو وزرع ألغاما جديدة لمنع التقدم.. حيث تم تدمير عربة مدرعة للعدو. وفي صباح اليوم التالي وردت الأنباء بتقدم «قول» سيارات مدرعة تتقدمه دبابة لمعاودة احتلال المنطقة، ومن جديد اشتبك "الزهيري".. دمرت الدبابة، وصعد أحد الجنود ووضع قنبلة بالسيارة التالية وما بعدها.. فعاد القول المدرع، ولم تنجح المهمة.
الكتاب: رأس العش مغامرات الكانغرو المصري
تأليف: محمد الشافعي
الناشر: المجلس الأعلى للثقافة القاهرة 2012
الصفحات:96 صفحة
القطع: المتوسط