معروف عن المجتمعات الاستهلاكية الحديثة أنها تتميز بالوفرة في السلع والمنتجات. وهذا يعني أن الإنسان يجد نفسه أمام كمٍ كبير من الخيارات في جميع ميادين الحياة. هكذا تحفل رفوف المخازن الكبرى بالمنتجات وليس على المستهلكين سوى "الاختيار بكل حرية" لما يرغبون في الحصول عليه. ولا يقتصر الأمر على السلع المادية المعروضة ولكن ينطبق الأمر، إلى هذه الدرجة أو تلك، على مجالات العمل والعلاقات الإنسانية، بل وأحيانا اختيار "الهوية" في مجال الانتماء.

هذه هي الصورة التي تحاول المجتمعات الاستهلاكية تقديمها لـ"الزبائن" تحت شعار "حرية الاختيار". لكن للمفارقة يمكن لهذه الحرية الظاهرية بالاختيار أن تخلق حالة من القلق القصوى ومن مشاعر الإحساس بالذنب"، كما تشرح الباحثة في مجال علم الاجتماع والفلسفة "ريناتا ساليكل" في كتابها الذي يحمل عنوان: "استبداد الاختيار".

وتحاول المؤلفة أن تشرح على مدى صفحات هذا الكتاب كيف أن حالات الدعوة المعلنة الحادة الصادرة عن الرأسمالية للبشر في مجتمعاتها كي "يحققوا ذواتهم" يمكن أن تغدو بمثابة "استبداد" يؤدي دائما إلى "قدر أكبر من الإحساس بعدم الرضا". كما تحاول أن تشرح كيف أن الإلحاح بالقول على أن "الاختيار هو مسألة فردية خالصة"، إنما يعيق، أي الإلحاح، حصول أي تبدّل اجتماعي.

ما يتم التأكيد عليه هو أن مفهوم "الاختيار" يجذب إليه المستهلك بسهولة في كل ما يتم عرضه عليه. إنه يستطيع أن "يختار" استهلاكه من الملابس ما هو واسع أو ضيق أو قصير أو طويل أو ما بين هذا وذاك. ومن عصير البرتقال حوالي "20" نسخة مختلفة تقدمها مثلاً شركة "تروبيكانا" وحدها اليوم مقابل "6" نسخ فقط في عام 2004، والإشارة أن هذه النسخ- الأنواع من عصير البرتقال ستصل إلى حوالي 30 خلال السنوات العشر القادمة.

هذا يعني أن إمكانيات الاختيار "تزداد". وعلى نفس الشاكلة وبنوع من "الخلط" بين الطلب الحديث والتكنولوجيات وأصبحت هناك رفوف لسلع في مخازن البيع بشتى المجالات لم تكن موجودة.

ويمكن لـ"حرية الاختيار" أن تطال اليوم "تقاطيع" الوجه وشكل الأنف ونهاية التجاعيد وحجم البطن والعديد من أعضاء الجسد الأخرى، التي تمكن "إعادة تصميمها". الإحصائيات المقدمة في هذا الكتاب لعمليات "حشو" المواد البلاستيكية في الجسد لتغيير "مظاهره" الخارجية وغير هذا من العمليات "التجميلية" تثير الدهشة والاستغراب.

وجاءت ثورة الاتصالات والمعلوماتية لتضاعف من حجم المعروضات وبالتالي من إمكانيات "الاختيار". لكن المشكلة الأساسية تكمن، كما ترى مؤلفة الكتاب، في كون أن وجود بعض الخيارات أمر جيد بدون شك، ولكن الإفراط فيها، كما هو الأمر في المجتمعات الاستهلاكية اليوم، ينقلب إلى نوع من "الاستبداد"، ذلك أن "كثيرا من إمكانيات الاختيار تقتل مفهوم الاختيار ذاته".

وتؤكد المؤلفة أن ما ينتظره المستهلكون من خياراتهم جرى تضخيمه إلى درجة أنهم، أي المستهلكون، أصبحوا يعتقدون بإمكانية القيام بـ"الخيار الأكثر كمالاً واكتمالاً". وهذا ما يتم "دعمه" بمحاولة "جذب" المستهلك عبر سلسلة طويلة من الكتب "الدعائية"، التي تزخر فيها رفوف المكتبات .

والتي ترمي كلها إلى تحقيق هدف واحد هو "إعانة المستهلك على تحديد أفضل الخيارات". وتنضوي تحت نفس العنوان كتب من نوع: "كيف تختار شريك حياتك وتحافظ عليه" و"الحب هو أيضا خيار". وهناك أيضا "مواقع الانترنت" التي "تسهّل" اللقاء بين الباحثين عن الصداقة أو الزواج. ويكفي لتحقيق هذا "نقرة أصبع".

مثل هذه "الآليات" في دفع المستهلك للقيم بـ"خياراته" تنمّي لديه الأمل باللجوء إلى "الخيار المثالي". ويحقق نفس الغرض الفكرة الضبابية القائلة إن هناك حلولاً سريعة وعقلانية للمسألة المعقدة المتعلقة بجذب الآخرين. لكن البحث عن الخيار المثالي بين كمٍ هائل من الخيارات ثمنه التشوش وعدم القدرة على القرار والهلع والأسف، كما ترى مؤلفة الكتاب.

وتقول: "إن هذه الزيادة في الخيارات لدى قاطني العالم المتقدم عبر التأكيد على إعطاء حياتنا سمة شخصية مزعومة وجعلها أكثر كمالاً لا تؤدي إلى قدر أكبر من الرضا والهدوء بل إلى قدر أكبر من القلق ومن الإحساس بالعجز وبالذنب". وهذا ما عاشته المؤلفة، كما تقول، في أخد متاجر "مانهاتن".

وتشير المؤلفة إلى دراسة أجريت عام 2010 من قبل باحثين في جامعة بريستول دلت على أن نسبة 47% من الأشخاص الذي جرى توجيه الأسئلة لهم اعتبروا أن الحياة غدت أكثر تشوشا مما كانت عليه سابقا، وأكد 42 % منهم أنهم يستيقظون من نومهم ليلاً ويجهدون تفكيرهم بحثاً عن حلول للمشاكل التي يواجهونها في حياتهم. والإشارة هنا أن أطفال اليوم المحاطين بعالم من "الخيارات الوفيرة" سيجدون صعوبة أكبر في اتخاذ القرارات عندما يكبرون. و"خياراتهم" ستحكمها الظروف الآنية على غرار تنقّلهم بين موقع "انترنت" وآخر.

ولا شك أن هناك فيضاً من الأشياء الجميلة التي تحيط في مجتمعات الوفرة على عكس البلدان الفقيرة أو الأقل ثراءً، والتي لا يعاني أبناؤها من استبداد الاختيار، ثم إن الخيار الحرّ في البلدان الرأسمالية ليس أكثر من وهم، وهذه إحدى الرسائل الأساسية للكتاب.

 

 

 

 

الكتاب: استبداد الاختيار

تأليف: روناتا سالكيل

الناشر: بروفايل بوك نيويورك 2011

الصفحات: 224 صفحة

القطع : المتوسط

 

 

The tyranny of choice

Renata Salecl

Profile Books- New York - 2011

224 .P