يطرح الكاتب والباحث الكويتي محمد سلمان غانم في كتابه "نحو نظرية قرآنية" نظرية حول (العمل) أو الرزق أو الكسب، يستنتجها من القرآن الكريم، ويرى أنَّها ليست عملية سهلة كأن يجلس شخصٌ ما ويسرح مع خياله وتصوراته الأيام والليالي الطوال، كما يتصوَّر الشيخ "شحرور" والأفندية الآخرون في مشروعاتهم النظرية بدايةً بنقد العقل العربي، وانتهاءً بدعوى سقوط اللغة العربية والنظرة إلى القرآن من منظور الغيبيات، ممَّا لا جدوى من البحث فيه أو دراسته.

وهو يقول ذلك لأنَّ موضوع علم الإنسان حسب رأيه هو عالم الشهادة وليس عالم الغيب، فهذا الأخير للإيمان والإيمان حرية. والمؤمن إنَّما يؤمن بالغيب ببراهين من عالم الشهادة وبالمنطق والعقل والعلم والبحث الشيئي عن الحقيقة، فإذا أوصله البحث في عالم الأشياء إلى الإيمان فهو حر، وإذا أوصله إلى الإلحاد فهو حر أيضاً.

والنظرية التي يطرحها الباحث الكويتي محمد سليمان غانم ترى أنَّ (الرزق) والذي هو من الله فينقسم إلى قسمين: مال الله وفضل الله. ومصدر المال هو العمل والكسب. أمَّا الفضل فهو الزيادة الوهبية المباشرة من الله ذي الفضل العظيم، أي أنَّ: الرزق=مال الله +فضل الله= الكسب +فضل القيمة

. وهكذا فالرزق ضربان: مالٌ وفضل، والرزق هو مجموع المنافع التي يحصل عليها الفرد، فإذا قدَّرنا أو قيَّمنا هذه المنافع بالنقود فهو الدخل، كأنْ يكون دخل الفرد(100) دينار شهرياً، وبالمثل نستطيع أن نقول إنَّ: الرزق القومي= الدخل القومي. الأوَّل وحدات من المنفعة والثاني وحدات من النقود.

ولكن نحن نعلم أنَّه يستحيل معرفة حجم المنافع التي يحصل عليها الأفراد لأنَّه لا يوجد ميزان أو مقياس مباشر لها، فرغيف الخبز الواحد له منفعة عالية جداً بالنسبة للمقتر (المحتاج)، أمَّا بالنسبة للغني فمنفعته زهيدة جداً، وقل مثل ذلك بالنسبة للخيرات الأخرى، لذلك فإنَّ الوحدة النقدية تعكس منفعة السلعة أو المادة، ولكن لا تقيسها تماماً، إلا أنَّ النقود أصبحت أداة أو وسيلة للمقارنة بين أسعار السلع، وبالتالي قيمتها بالنسبة لبعضها بعضا.

ثمَّ يتابع الباحث محمد سلمان غانم شرح نظريته فيصل إلى أنَّنا سنجد في اقتصاد كل دولة قطاعين، هما قطاع الإنتاج وقطاع الاستهلاك وبينهما تقوم علاقات تفاعل متبادل، ففي قطاع الإنتاج نجد الأرض (الطبيعة المسخَّرة) ووسائل الإنتاج (ماعون الإنتاج)، والقوى البشرية المنتجة (العمل).

وفي قطاع الاستهلاك نجد جميع أفراد المجتمع أي القطاع العائلي- ولكن ما يهمنا هنا هو الجماعة العاملة والتي تزوِّد قطاع الإنتاج بالعمل المنظَّم، وتحصل مقابل ذلك على الأجور، والمنتجون يزوِّدون المستهلكين بالسلع والخدمات المختلفة مقابل عائد نقدي يأخذ شكل أسعار مختلفة تدفع مقابل كل سلعة أو خدمة منتجة، وهذا التفاعل المتبادل بين القطاعين يسمى بعملية التدفُّق الدائري بين المستهلكين والمنتجين، أو التدفُّق المستمر للدخل والعمل.

إنَّ مساهمة الطبيعة والماعون في زيادة القيمة الاستعمالية للبضاعة، وكل بضاعة ينبغي أن توزَّع على جميع أفراد المجتمع بالتساوي، فهي من حقوق الله لعباده جميعاً دون تمييز، وهذا يتحقَّق إذا تمَّ تصريف السلعة حسب القيمة المضافة فقط.

وبالتالي لا يجب تحويل قيمة استعمالية إلى قيمة تبادلية من أجل تحقيق أقصى الأرباح وعلى حساب المستهلك، أو المجتمع، فهذه جزية مرفوضة شرعاً، كما أشار القرآن إلى المنتجات عامة سواءً كانت من نتاج عمل الإنسان، أو هبةً من الطبيعة، أي من الله من الطيبات، وذلك في كثرة من الآيات مثل:

(ياأيُّها الذين آمنوا كلوا من طيِّبات ما رزقناكم واشكروا لله إنْ كنتم إيَّاه تعبدون). أمَّا عن أهمية العمل والإنتاج في القرآن الكريم فيرى الكاتب غانم أنَّ القرآن أعلى من شأن العمل، بل جعل العمل هو الغاية من خلق الإنسان، وبه يتميَّز الإنسان عن بقية المخلوقات على كوكب الأرض.

وبالعمل والسعي تتحقَّق رسالة الله للإنسان بعمار الحياة الدنيا مادياً وروحياً، ولهذا نجد أنَّ كلمة الـ (عمل) واشتقاقاتها قد تكرَّرت في القرآن الكريم 359 مرَّة، فضلاً عن كلمات أخرى تحمل معنى العمل نفسه، فكلمة (السعي) تكرَّرت 30 مرَّة، والـ(كسب) 67 مرَّة. كما ذكرت كلمات الانتشار والضرب في الأرض وكذلك الكدح، وهي كلمات تحمل معنى العمل أو البحث عن عمل، وتشمل قوَّة العمل ليس فقط العاملين فعلاً في وقت معيَّن، وإنَّما أيضاً كل الذين بلغوا سن العمل القانونية حتى ولو كانوا عاطلين عن العمل.

ويتحمَّل المجتمع المسؤولية إذا لم تتوافر لهم فرص العمل المناسبة، والعطالة تعتبر إهداراً اقتصادياً وكذلك البطالة المقنَّعة أو التوظيف الشكلي باستلام راتب دون دوام، وهذه ظاهرة بارزة في الكويت وقطر والإمارات. كما أنَّ هناك أعمالاً غير منتجة كتهريب المخدرات وترويجها، أو المراهنات في أسواق الأوراق المالية، لأنَّها لا تنتج أية سلعة سوى نقل ملكيات من يد إلى يد أخرى. بل إنَّه إنتاج سلبي أيّ مخرِّب للاقتصاد.

 

 

 

 

 

 

 

الكتاب: نحو نظرية قرآنية دراسة

تأليف: محمد سلمان غانم

الناشر: دار الفارابي بيروت 2011

الصفحات: 502صفحة

القطع: الكبير