كان روبرت باير لمدة عقود كاملة أحد أفضل عناصر وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية "سي آي ايه" في منطقة الشرق الأوسط من نيودلهي إلى العراق، حيث تلقى "ميدالية جهاز الاستخبارات" عن المهمات العديدة التي أنجزها.
وإذا كان قد عاش الحياة التي يأمل بها أي "جاسوس" فإنه كان عليه بالمقابل أن "يضحّي" بحياته الشخصية التي اقتصرت لسنوات طويلة على المعارف وعلى صلاته "المهنية". كما كان غيابه الطويل عن منزله وأسرته وأطفاله سببا في تدمير زواجه، ولم تكن طبيعة عمله تسمح له أن يمضي سوى أوقات قصيرة جدا مع أطفاله.
تلك هي "المعلومات" التي يقدمها روبرت باير عن حياته الشخصية قبل أن يلتقي بـ"داينا ويليامسون" التي كانت تعمل هي الأخرى في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية والتي كانت تنظر إلى نفسها كـ"فتاة عادية من كاليفورنيا". عن هذا الجانب المتعلّق بالحياة الشخصية وتداخلاتها مع العمل المهني "في إطار جهاز السي آي ايه" يقدّم روبرت باير وداينا باير ،زوجته ،كتابا مشتركا تحت عنوان "الشراكة الوثيقة".
وبعد عمل "مكتبي" في إدارة الوكالة باعتبارها خريجة جامعة بيركلي، تنبّه رؤساها إلى أنها تمتلك "موهبه" العمل في الميدان. لقد تطوّرت سريعا في مجالها "الجديد" وصولا إلى تكليفها بـ"عمليات حماية" مما ترتب عليه تدرّبها على استخدام الأسلحة والمتفجرات وإتقان عمليات الهروب و"تزوير الوثائق".
كانت اللقاء الأول بين روبرت باير وداينا ويليامسون "خارجا عن المألوف". ذلك أنهما كانا في مهمة سرية بمدينة "سراييفو" لتنفيذ عملية تمّ تكليفهما بها في إطار نشاطات وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية التي كانا يعملان لديها. كان ذلك اللقاء "ذا طابع مهني" إذن.
ولكنها كانت الخطوة الأولى في علاقة عاطفية ربطت بينهما وصولا إلى الزواج وتشكيل أسرة صغيرة. هذه "القصة" هي بالتحديد موضوع الكتاب الذي يقدمانه معا عن "حبهما" بعيدا عن المهمات السرية وعلم الأجهزة السرية. وما يتم تأكيده من قبل الزوجين الحاليين، و"الجاسوسين" السابقين هو أن لحظات القلق تشكّل "عجينة" حياة العملاء السريّين، خاصة عندما يعملون في إطار وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية. "القلق" و"تمويه الحقيقة" و"التخفيّ".
ويروي روبرت باير، أنه عندما التقى بزوجته الحالية في كرواتيا "سراييفو" في سنوات التسعينات المنصرمة لم يكن يعرف اسمها الحقيقي. وقدم هو نفسه باسم "بوب". كان يريد أن يزيد من "معارفه"، مما قد يكون مفيدا في عالم الجاسوسية، لكنه لم يتصور للحظة واحدة أنه سوف "يقع بشباك الحب".
وفي هذا الكتاب عن قصة حب ثم زواج "بوب" أو "داينا" تتعاقب الفصول، بالتناوب بينهما، حيث يحكي كل منهما عن سيرة حياته الذاتية قبل أن يلتقيا. هكذا تعود "داينا" إلى الحديث عن حياتها عندما كانت تعمل في قطاع "الرقابة الأمنية" في لوس انجلوس بينما كان "بوب" يعمل في طاجاكستان، الجمهورية السوفييتية السابقة. ويصلان في حكايتهما إلى شرح كيف "دفعا" في الحب وكيف بدأت ترتسم معالم حياتهما المشتركة.
وعبر تناوب فصول الكتاب بين "داينا" و"بوب" ينتقل القارئ، "فجأة" من موقع إلى موقع آخر ومن سياق إلى سياق مغاير. أمكنة مختلفة ولحظات مختلفة، وصوتان مختلفان "إلى أن التقى درباهما". بالإجمال يشرح الضابطان السابقان في أشهر جهاز استخبارات في العالم سبب اختيارهما لمهنة "العميل السري" وما يلاقيه من خداع وأخطار. ويتفق الكاتبان في وصولهما إلى نتيجة واحدة تقريبا وهي أن "عالم الجاسوسية جذبهما في البداية" ثم "أثار خيبة أملهما".
ومما تكتبه "داينا" هو أنها اعتبرت في البداية أن العمل مع السي.آي.ايه "مهما بل وربما ضروريا". ولكنها سرعان ما أحسّت بالملل والضيق في عملها المكتبي في لوس انجلوس حيث كان عليها أن تمضي يوميا ساعات طويلة في ازدحام السيارات بدلا من ملاحقة الجواسيس الأجانب في هذه المنطقة أن تلك من العالم.
وكانت مهمتها بالتحديد في عملها الأول هي "التنقيب" في مسيرة الحياة السابقة للمرشحين للعمل في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية. تشير بهذا الصدد أن "مناجم الذهب الحقيقية لمعرفة ماضي المرشحين بالتفصيل ـ هي الزوجات أو الأزواج أو العشّاق السابقين الذين "يسرّهم جدا الحديث عن أسرار شركائهم السابقين والقذرين".
على خلفية سأمها من العمل في مكتب بلوس انجلوس قبلت الالتحاق بـ"فريق عمل" يتنقل عبر العالم محاولا "عدم ترك أية بصمات وراءه". لقد قبلت ذلك "مع علمها أن ذلك يعني ترك زوجها، القاضي في محكمة مدنية" وأن أسرتها "سوف تتحلل". بكل الأحوال لم تكن تستطيع أن تتحدث مع أحد بـ"اسمها الحقيقي"، أو أن تحدد "المكان الذي تتواجد فيه".
وقصة "بوب" مع الوكالة الاستخباراتية بدأت من المغرب في سنوات التسعينات. ويعرف القارئ منذ البداية أن زواجه كان في "المنطقة الميتة". وبعيدا عن أطفاله الثلاثة الذين كانوا يعيشون في فرنسا مع أمهم وجد نفسه "في خضم الاضطرابات السياسية والحروب الأهلية والقرارات والانقلابات وتحرّكات الجيوش". وبعد "انسحابهما" من عالم الاستخبارات والجاسوسية، انتسبت داينا إلى "كلية الحقوق" وأصبح "بوب" مستشارا وكاتبا.وهذا كتاب عنهما معا ،ولكن أيضا وأساسا عن آليات عمل عناصر السي آي ايه.
الكتاب: الشراكة الوثيقة
تأليف: روبرت باير داينا باير
الناشر: كراون نيويورك 2011
الصفحات: 320 صفحة
القطع: المتوسط
The company we keep
Robert Baer, Dayna Baer
Crown - New York - 2011
320 .P