من التوصيفات السائدة عن باريس هي أنها "مدينة النور". والباحث الجغرافي الأميركي الشهير دافيد هارفاي يرى فيها بالأحرى "عاصمة الحداثة"، كما جاء في عنوان كتابه الأخير، الذي صدر باللغة الانجليزية للمرة الأولى عام 2005 وتمّت ترجمته مؤخرا إلى اللغة الفرنسية.
ويبدأ المؤلف توصيفه لباريس اعتبارا من تقديم "الديكور". إنه ينطلق من تاريخ معين هو عام 1848 الذي يبدو له بمثابة "لحظة حاسمة تبلورت فيها مفاهيم جديدة انطلاقا من القديم". ويشرح المؤلف أن فترة حكم نابليون "خلقت أسطورة تأسيسية لا بد منها لكل نظام جديد وساهمت في تأكيد فكرة مفادها أنه لا يوجد أي بديل للنزعة الاستبدادية التي تمثلها الإمبراطورية".
ويفتح المؤلف في هذا السياق قوسين ليتساءل كيف أن مفكرين كبيرين مثل سان سيمون وكارل ماركس أكدا استحالة مثل ذلك البديل.
يكتب: "أليس غريبا أن مفكرين يحتلاّن مكانة مرموقة مثلهما في مجال الفكر الحديث يرفضان صراحة إمكانية حدوث قطيعة راديكالية، مع تأكيدهما بالوقت نفسه التغيير الثوري"؟ وعلى قاعدة الطريقة التي تقوم الرأسمالية على أساسها بشغل الحيّز الجغرافي لصالحها على جميع المستويات. وذلك من الصعيد العالمي العام الشامل وحتى هذا الحيّز في المدن. وهذا ما يشمله المؤلف تحت عنوان عريض هو: "المادية التاريخية- الجغرافية".
وعلى أساس المفهوم الذي تبنّته القوى الاقتصادية المسيطرة في سنوات 1852-1870 أعاد محافظ مدينة باريس "هوسمان" بأوامر من نابليون الثالث التصميم العمراني لمدينة باريس لتصبح "عاصمة الحداثة".
ويرى المؤلف أن هذا التوصيف يعود بالتحديد إلى كون المدينة تأقلمت أو "جرى تكييفها بالقوة" مع حضارة للإنتاج والاستهلاك والاستعراض، وباختصار جرى تكييفها "مع عالمنا".
ويشير المؤلف الى أنه لا ينوي أبدا في هذا الكتاب "التأريخ" للأشغال التي قام بها "هوسمان" في باريس. ولكنه يهتم بالأحرى بما يسميه "الهدم البنّاء" الذي مارسه محافظ باريس ذلك عندما أمر بهدم عشرات آلاف المنازل وإعادة بنائها من جديد.
هذا إلى جانب تزويد المدينة بشبكة كبيرة من شبكات التصريف وإشادة العديد من الحدائق العامة. ويرى المؤلف أن العمل الذي قام به هوسمان بأوامر نابليون الثالث يستجيب إلى حد كبير لمستلزمات "العلاقات الديناميكية" بين الروابط الاجتماعية وجغرافية الحيّز المكاني في المدينة.
ويشرح المؤلف عبر الفصول الأربعة عشر التي يتألف منها الكتاب مسائل تتعلق بـ"تنظيم العلاقات العمرانية في المجال الجغرافي" و"المال" و"الدولة" و"الاستهلاك" و"الطبقات" و"العلاقات الطبيعية" و"جيوبوليتيكية التحوّل العمراني في المدينة"، الخ.
والتأكيد في نفس السياق على "التحوّل الاقتصادي" الذي عرفته باريس بظهور "صيغة رأسمالية" تسيطر عليها القوى المالية والصناعية". و"تحوّل ثقافي، مع ما سيطلق عليه لاحقا توصيف "الحداثة". وأخيرا "تحوّل اجتماعي" ببروز مجموعة من الصراعات الطبقية العنيفة التي بلغت أوجها مع "ثورة عام 1848" ثم مع "كومونة باريس عام 1871".
بهذا المعنى يقدّم مؤلف هذا الكتاب "المدينة الحديثة" على أنها نتاج نشاطات قوى متنافرة ومتعارضة عرفتها العاصمة الفرنسية باريس في فترة حاسمة من تاريخها .
الكتاب: باريس عاصمة الحداثة
تأليف: دافيد هارفاي
الناشر: لي بريري اوردينير باريس 2012
الصفحات: 530 صفحة
القطع: المتوسط
Paris, capitale de la modernité
David Harvey
Les prairies ordinaires - Paris- 2012
530 .P