يسعى كتاب "المفهومية في الفن التشكيلي العربي"، للكاتب إبراهيم الحجري إلى إغناء الرصيد العربي النقدي للفن، وتتبع التجارب والاتجاهات الجديدة في عالم التشكيل العربي. ومن حقّ المتلقي العربي أن يعرف ما يجري على مستوى الغرب من حراك فني، وما تداول من تيارات واتجاهات فنية، سواء أكانت هذه التيارات صالحة للتبني أم غير صالحة، فما يدور هناك يغنينا بالأساس، خاصة في فهم الآخر من خلال توجهاته الفنية، وما ينتجه فنانوه من أعمال إبداعية.

وظهر الفن المفاهيمي في أميركا وأوروبا نهاية الخمسينات، وبعدها انتشر في باقي أنحاء العالم، والمقصود به" حالة تحويل فكرة ما وجعلها ملموسة". وقد نشأ هذا الفن نتيجة لملل المبدع من الإطار التقليدي للعمل الفني، وتعود جذور الفن المفهومي إلى الحركة الدادائية الجديدة مع مطلع القرن العشرين ، ثم تأصل المفهوم في الستينات ، وذاع صيته ليصبح حركة عالمية.

ومع هذا الاتجاه الفني أصبح الفنان متحرراً من فكرة تقديم عمله بوصفه سلعة يمكن الاستفادة منها بواسطة المتاجرة في سوق الفن، منصرفاً بذلك إلى إبراز الواقع باعتباره قيمة جمالية، فالأساس في العمل الفني ليس هو شكله وصورته التي يتمظهر عليها، بل هو الفكرة أو المفهوم الذي يريد المنتج الفني إبلاغه للمتلقي دون تحيّز أو استنجاد بأية نظرية من النظريات. وفي هذا يقول ميشا جوردان: "هل أوجه عدسة كاميرتي إلى الخارج أم أوجهها إلى داخلي حيث تقبع روحي؟".

إنّ رسالة الفن المفهومي لا تقف عند حدود معينة، فهي رسالة للمجتمع يعبّر فيها الفنان عن سخريته أو سخطه أو رضاه أو حزنه أو فرحه، عن كل ما يحدث حوله، فالفنان هو محصلة ظروف اجتماعية، وهو جزء لا يتجزأ من محيطه، وبما أن الفن مقترن بالإبداع، فالإبداع في الفن لا يقف عند حدّ معيّن أو قاعدة بحد ذاتها.

لقد جاء التصوير المفهومي للفن التشكيلي لينتزع اللوحة من التوجهات العبثية التي طالما عبثت بالمعني، واختصرته في مجرّد أشكال ورتوشات لا يعلم حتى الفنان معانيها ودلالاتها، إلى حدّ أنّ بعضهم عزا نفور المتلقي من الفن التشكيلي لهذا السبب، واعتبروا أن المرحلة تُفَرّغُ الفن من محتواه وتجمد رسائله الفلسفية الراقية التي طالما لعب بفضلها أدواراً طلائعية في تغيير البشرية نحو الأسمى والأرقى.

إن الفن المفهومي أعاد للوحة قوّة انخراطها في انشغالات الناس واهتماماتهم، بما في ذلك الفنان التشكيلي نفسه، لذلك فقد دعا هذا الاتجاه فنانيه إلى المتابعة اللصيقة للتحولات الفكرية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية التي تكتسح المجتمع وإلى الحرص على التثقيف الذاتي الخلاق الذي يجعل الفنان واعياً بأذواقه وبعالمه وبالسياق الذي يشتغل في إطاره.

ولم يتوقف انعكاس العدة المفهومية لهذا الاتجاه على عالم اللوحة وحده، بل كان يلزم أن يتعدّى ذلك إلى أطراف عملية التواصل الفني التي تتجازب المنجز الفني (اللوحة)، وإلى كلّ ما يحيط بالعملية الفنية من إجراءات وبيئة طقسية منذ أول مرحلة إلى آخر مرحلة، وهي مرحلة تسويق المنتج وعرضه وتلقيه ونقده، وهذه عادة كلّ جديد.

إنّ كلّ نموذج جديد لا يلغي سابقه، بل يوظفه وفق تصور جديد يخضع لنسق التصور السباق السوسيوثقافي، الذي تمست به وتمت في إطار تفاعلاتها معه، وبما يسهم في تبرير اختياراته بما يتلاءم وأسئلة المرحلة الراهنة التي انبثق عن سياقاتها. ومثلما يُفرض على الفنان تجديد أدواته وأساليبه باستمرار تماشياً مع النموذج الذي يتبناه ، فكذلك يكون مطالباً بتعديل وتبديل أدواته المنهجية في قراءة وتلقي وتحليل اللوحة باعتبارها منجزاً مختلفاً عما اعتاد عليه من لوحات أخرى منجزة في إطار تصور آخر ستنفذ زمنه ولم يعد مواتياً لتحولات العصر الراهن. هذه العملية أساسية واستراتيجية للارتقاء بقيم الجمال ومعانيه ودلالاته الرمزية.

وقد تأثر الفن التشكيلي العربي بمفاهيم الحركات الجديدة بما فيها المفهومية من خلال المشاركة بالمعارض الدولية ، والاحتكاك بالتجارب الأخرى عن قرب، والسعي إلى توظيف هذه الثقافة البصرية المستعارة تقنياً وأسلوبياً في تطوير الأداء، وفتح آفاق الاشتغال على مديات واسعة وبوابات رحبة.

ونجد من بين الأسماء التي بدرت إلى الخروج عن قواعد الفن الأكاديمي ومعاييره المتقادمة، الفنان التونسي نجا المهداوي، الذي أغرم بفنون (الكوريغرافيا والباليه وموسيقا الجسد)، وعلى نفس النهج سارت النحاتة منى السعودي، التي تشتغل على الجسد وتكتفي به فنياً (الأمومة ، الرحم، الشروق). والفنانة لطيفة التجاني، التي قدمت الجسد عبر عالم اللوحة الساحرة.

في تشكيل أطياف وخيالات يغلب عليها اللون الأزرق الداكن. وفي الموضوع ذاته يمكن أن ندرج تجربة الفنان العربي عبد الكريم الأزهر، من خلال لوحاته نجد هاجس الخوف والهروب والبحث عن منافذ شخصيته للخلاص من لحظة الضيق المفروضة عليه في التجربة الجسدانية في الفن، يذكر أيضاً أن تجربة الفنان القطري فرج دهام، الذي قام من خلال أحفوراته اليدوية ومنجزه الغرافيكي.

بالاشتغال على الجسد الإنساني ناحتاً بذلك سر المعاناة الإنسانية وهمومها الجاثمة على الأنفس، محملاً الجسد تعابير وأحاسيس ومشاعر نفسية دفينة وعميقة. وفي هذا الصدد يطل عمل رؤوف الرفاعي، مغرقاً في إيهاماته وإسقاطاته غير المباشرة والملتبسة ويتطرق إلى إشكالية الإنسان المستلب، فيبرزه معصوب العينين مثل الشبح، بل أقرب إلى تمثال تحوطه آثار خطى وذهب الأيقونة وتفاحة الجنة الموعودة، لكنّه عمي عنها. واقترحت ندى صحناوي عملاً تركيبياً مؤلفاً من (شوبك المطبخ) الذي صنعت من سيقانه دوامة تبدو مثل بحيرة حلزونية.

وتوقّع أسامة بعلبكي في لغة الرسم، ليمنح لوحته إمكانية هائلة في تقاطع بين العنوان والصورة الذاتية . فيما اتجهت آني كركجيان إلى جنون فتاة تلتهم جسدها، في وقت يسعى فيه يوسف نعمة إلى إبراز إحساسه الرمادي القاتم تجاه العالم عبر رجل فقد كل الأمل في انتظار الذي لن يأتي أبداً. أمّا الشعار الذي أطلقه فيصل سلطان" أنا لا أؤمن بالسياسة أومن بالثقافة، فهو يعتبر بيان يقدّمه لمنجزه ذي الطبعة المفهومية (Eat-conceptual)، وهنا يعمد الفنان إلى استبدال افتراضي للخريطة السياسة لبيروت بخريطة ثقافية أخرى.

 

 

 

 

 

الكتاب: المفهومية في الفن التشكيلي تجارب ورؤى

تأليف: إبراهيم الحجري

الناشر: إدارة الفنون في دولة الإمارات 2011

الصفحات: 184 صفحة

القطع: المتوسط