يُحاورُ الصحفي العراقي توفيق التميمي، في هذا الكتاب، سبعَ شخصيات عراقية بارزة في مجال السياسة والدين والتاريخ والعلوم، ويمزج فيه بين فني المقابلة الصحفية وكتابة الشهادة، أو الاعتراف، أو السيرة.
ومعلوم أن الكتب التي تنتمي إلى (فن السيرة الذاتية) شبه غائبة عن المكتبة العربية، لأسباب تتعلق بالخجل، والخوف من الفضائح، بينما يلجأ سياسيو الغرب إلى كتابة مذكراتهم بأسرع ما يمكن، ولا أدل على ذلك من أن الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش قد أصدر مذكراته عن الغزو والحرب في العراق فور انتهاء ولايته الرئاسية الثانية.. وقدرت العوائدُ المالية لهذه المذكرات بسبعة ملايين دولار، كما أصدر الحاكم المدني في العراق بول بريمر كتاباً يتضمن شهادته عن الفترة التي أمضاها في العراق.
من أبرز الشخصيات التي يحاورها توفيق التميمي، وأكثرها غموضاً وإشكالية، عزيز محمد، الأمين العام للحزب الشيوعي العراقي الذي ذهب إليه في أربيل، وفي ذهنه قصص كثيرة يرويها عنه خصومُه، تُحَمِّلُه مسؤولية تضحيات الشيوعيين، وخداعهم في لعبة الجبهة، وما تمخض عنها من حملات إعدام وبطش وتهجير لقيادات وقواعد الحزب في منتصف السبعينيات.
وكان حرياً بعزيز محمد أن يكتب مذكراته، ولكنه لم يستطع ذلك- كما يقول- لأن المذكرات الموضوعية تعتمد على الوثائق، وهي غير متوفرة بسبب الحياة السرية للحزب، فقد كان كل رفيق تصله وثيقة يطلع عليها، ثم يُتلفها، لئلا تكون مستمسكاً أمنياً عليه في وقت لاحق.
لا يميز الحزب الشيوعي بين طائفة وأخرى، وقومية وأخرى، ومع ذلك فالملاحظ أن أكبر منظمات الحزب وأكثرها نشاطاً هي منظمات الكاظمية والنجف وكربلاء، ويحكى أن مصرياً زار النجف، ورأى الشعارات الشيوعية تملأ الجدران، فتساءل: أهذه مدينة شيعية أم شيوعية؟!
من المفارقات اللافتة في هذه المقابلة التأكيد على أن بطش الحرس القومي تركز على الكادر القيادي العربي، وتحليل ذلك أن التحاق أعداد من الشيوعيين بالحركة الثورية الكردستانية قد أنجاهم من البطش البعثي، وأقاموا في المدن والمناطق الجبلية الآمنة، لذا بقي الحزب يعاني من نقص في الكوادر القيادية العربية، واتجهت سياستُه نحو إعادة التوازن القومي، بدليل أن الشيوعيين، في المؤتمر الرابع، انتخبوا عشرة قياديين على أن يكونوا (عرباً) من دون أن تُذكر أسماؤهم، حتى قيل وقتها، من باب الطرافة: (العشرة المبشرون).
في الفصل الثاني من الكتاب يحاور المؤلفُ الشيوعيَّ الكردي المخضرم مكرم الطالباني، وهو رجل مسن، (ولد سنة 1923)، محترم من قبل مؤيديه وخصومه على حد سواء، لعب دور الوسيط، أكثر من مرة، بين البعثيين والشيوعيين، وبين الحكومة والأكراد. وأطلق عليه بهاء الدين نوري، في مذكراته، لقب (شيوعي الصالونات) في غمز واضح لأصوله الأرستقراطية، والدينية، وصلاته الطيبة بالحكومات المتعاقبة.. فرد عليه مكرم الطالباني بقوله:
أمضيت في سجون الملكية والحرس القومي بقدر حياة بهاء نوري الحزبية! في سنة 1947 تولى المحامي مكرم الطالباني الدفاع عن ثلاثة معتقلين بينهم الرفيق فهد (يوسف سلمان)، وقد حوكموا بموجب مادة تعسفية من قانون العقوبات البغدادي تنص على إعدام كل من يروج للأفكار الشيوعية والاشتراكية. سجن مكرم طالباني في عهد الملكية، وقامت الشرطة بفتح النار على السجناء.
وقتلت تسعة منهم لرفضهم النقل إلى سجن بعقوبة فرادى، وإصرارهم على الانتقال الجماعي. كما سجن في زمن الحرس القومي، فوجد الفرق جلياً لمصلحة العهد الملكي، لأن العصابة الحاكمة هنا قد حولت المعتقلات إلى مسالخ بشرية، وأما الطالباني فقد أنجاه من الموت تحت التعذيب أن أحمد حسن البكر استدعاه، وعرض عليه أن يشترك الشيوعيون مع البعثيين في انقلاب يزمعون القيام به فرفض ذلك.وفي الفصل الثالث يلتقي المؤلف مع البعثي القومي معاذ عبد الرحيم الذي تجاوز السبعين من عمره ولا يزال يحلم بالدولة والمجتمع المتصالحين، وبأحزاب وطنية عراقية تؤمن بتعايشها سلمياً في إدارة الدولة والحياة.
وهو، بالمناسبة، أول سجين سياسي بعثي في سجون العهد الملكي.ارتبط معاذ بعلاقة طيبة مع مؤسس البعث الفعلي في العراق وأمينه العام لمدة ثماني سنوات فؤاد الركابي، وكان أعلى منصب تولاه في حياته هو منصب المدير العام لوكالة الأنباء العراقية.
الكتاب: شهادات عراقية
تأليف: توفيق التميمي
الناشر: دار الحصاد دمشق 2011
الصفحات: 260 صفحة
القطع: المتوسط