يتحدث الكاتب محمد جمال باروت في كتابه العقد الأخير في تاريخ سوريا جدلية الجمود والإصلاح عن سوريا، خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وعن علاقة التنمية بالتغير الاجتماعي، كما يعرض مسار عملية التغير السياسي في سوريا، منذ ما قبل اندلاع حركة الاحتجاجات بقليل، وبالتحديد منذ 19/2/2011، وهو اليوم الذي اندلعت فيه تظاهرة حي الحريقة في دمشق، حتى يوليو 2011.

ويرصد خلال هذه الفترة ما يسميه ثورة المجتمعات المحلية، أي ثورة المدن المتوسطة والصغيرة، علاوة على الأحياء الشعبية والعشوائية في المدن الأخرى، ثمّ يقارن الزحف السلمي للأطراف نحو المركز، مثل زحف أطراف دمشق على ساحة العباسيين، بالزحف الفلاحي شبه المسلح، مثل غزو جبل الزاوية لمدن متوسطة مثل أريحا وجسر الشغور ومعرة النعمان.

وفي هذا السياق حاول الكاتب أن يستقصي الفاعلين الاجتماعيين والسياسيين الحقيقيّين لهذه الثّورة، وأن يعثر على تفسير لقدرة هؤلاء على تأمين الزخم والاستمرار لهذا التحرك الشعبي الواسع..ويوضح كيف تحولت سوريا من دولة اشتراكية إلى رأسمالية طفيلية همشت الفئات الاجتماعية لمصلحة حفنة من رجال الأعمال والمنتفعين الجدد المرتبطين بالسلطة.

ويسعى الكاتب إلى تقديم قراءة تاريخية تحليلية مركبة للتحولات الاقتصادية ـ الاجتماعية، التي شهدتها سوريا في ظل حكم بشار الأسد، والتي كان لها الآثار السلبية في الدولة والاقتصاد والمجتمع، ومهدت الأرض لتفجير حركة الاحتجاج فيها، ثم يجري الكتاب تأريخًا مباشرًا لصيرورة الأحداث التي شهدتها سوريا في الستة أشهر الأولى من الاحتجاجات.

كما يبين الكاتب أن بدايات العمل في هذا الكتاب كانت في أواخر العام 2010 في صيغة بحث علمي موضوعي مكثف عن تاريخ سوريا الراهن، لكن المؤلف لم يباشر كتابته وإنجاز فصوله الأولى إلا في أبريل 2011، حيث بدأت تتسع رقعة الاحتجاجات في سوريا وتجذر شعاراتها المطالبة برحيل النظام، مما أدى إلى تحويل فكرة الكتاب من بحث في تاريخ إلى بحث في أسباب الثورة السورية، وبذلك جاء الكتاب مؤلفًا في تسعة فصول تقارب الأربعة الأولى منها جدلية الجمود والإصلاح في ضوء منهجية تاريخية ـ اقتصادية ـ اجتماعية ـ سكانية ـ سياسية ـ مؤسسية مركبة، وعابرة للاختصاصات، تتعامل مع العلوم الاجتماعية والسياسية كوحدة مترابطة في التوصيف والتحليل والمنهج.

ويتتبع الكاتب التغيرات الاجتماعية الكبرى في سوريا والتي شكلت المضمون الحقيقي للثورة، وتوصل إلى أن النظام التسلطي الليبرالي اقتصاديًا، بوصفه مفهومًا مفتاحيًا لفهم صيرورة التحول الاجتماعي والتغيير الثقافي، وعمليات إعادة الهيكلة الاقتصادية، متوقفًا عند تحليل التركة الحرجة في الاستقطاب بين «التصحيحيين» و«التحريريين» فيما تعرف في سوريا بمرحلة الإصلاح الثالثة.

 كما تتبع على مستوى الشكل مقاربة ما يدعى بـ"التاريخ المباشر" في مقاربات التاريخ الجديد، وهي مقاربة تبحث في تأثير التاريخ على مجهريات التاريخ المباشر وأبعاده السكانية والإنثروبولجية والاقتصادية والاجتماعية والرمزية والتنمية والحريات، لبناء مؤشرات تفحص تطور الأحداث في سوريا نحو الثورة، وتوثق ديناميات الحراك الاحتجاجي والتطورات التي أدت إلى العنف والدور التركي في الثورة وطبيعة المعارضة السورية في الداخل والخارج وموقف الطبقة البرجوازية من الثورة وإشكاليات الانتقال الديمقراطي في مجتمع مركب الهوية.

 

سيناريوهات

يضع الكاتب في نهاية كتابه سيناريوهات لمستقبل سوريا بين التمزق أو التسوية التاريخية، وما يزيد رصانة الكتاب أنه لا يبشر بموقف سياسي وإنما يطرح بموضوعية أشكال موازين القوة بين النظام والمعارضة، محللا خطاب السلطة، الذي قبل الانتقال من نظام تسلطي إلى نظام نصف تسلطي، أو بعبارة أخرى أن النظام السوري الحالي يعيد إنتاج النظام المصري في بداية الثمانينيات من القرن العشرين، ولكن ذلك تم دون ثورة، ولكنه لم يحل دون أن تقوم في مصر مع نهاية المطاف.

 

المؤلف في سطور

يعمل جمال باروت باحثا مشاركا في المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السّياسات، كما عمل في مجالات بحثيّة متعدّدة مرتبطة بالتّعليم؛ والتّنمية البشريّة، والتّنمية والسكّان؛ والهجرة الخارجيّة السّورية؛ والاستشراف المستقبلي لمسارات التّنمية، وعمل أيضا مديرا ومستشارا في عدّة مشاريعَ لبرنامج الأمم المتّحدة الإنمائي في سوريا ولصندوق الأمم المتّحدة للسكّان وللمنظّمة الدولية للهجرة.

كما كان مدير مشروع سوريا 2025، الذي انتهى في أواخر 2007، وكان المؤلّف الرّئيس لتقرير الهجرة السوريّة الدوليّة. وقد عمل الكاتب أيضًا باحثًا مقيمًا في المعهد الفرنسي للشرق الأدنى في حلب. وحاضر في عام 2008 في كلّية القدّيس أنطونيوس في جامعة أكسفورد في المملكة المتّحدة، وعمل أستاذًا زائرًا في مدرسة الدراسات العليا للعلوم الاجتماعية في باريس.

الكتاب: العقد الأخير

في تاريخ سوريا

جدلية الجمود

والإصلاح

تأليف: محمد جمال

باروت

الناشر: المركز العربي

للأبحاث

ودراسة

السياسات

الدوحة 2012

الصفحات: 462 صفحة

القطع: المتوسط