يتم توصيف الثورة التي قام بها الفرنسيون عام 1789 أنها "الثورة البورجوازية الكبرى" في التاريخ. هذا على عكس بريطانيا المجاورة على الطرف الآخر من بحر المانش، التي تتميّز بقدر استثنائي من الاستمرارية والاستقرار، حيث لم ينجح أحد في اجتياحها بـ"نجاح" طيلة فترة 1000 عام، وبالتحديد منذ عام 1066، ولم تعرف على مدى 1000 عام تقريباً أيضاً أية ثورة حقيقية. إن بريطانيا "لم تأخذ طريق الثورة" كما يشرح فرانك مكلاين في كتابه الأخير الذي يفسّر فيه "كيف أخفقت بريطانيا في القيام بثورة"، كما يقول العنوان الفرعي للكتاب و"السبيل المتروك، كما جاء في العنوان الرئيسي.

السمة الأساسية التي يؤكد عليها المؤلف منذ بداية تحليلاته هي أن بريطانيا لم تعرف في تاريخها منذ القرن العاشر حتى اليوم أية ثورة حقيقية، ولا حتى أي منعطف حاسم ودائم. وهذا يتناقض بصورة جذرية مع "جاراتها" في القارة الأوروبية فرنسا وألمانيا وإيطاليا واسبانيا واليونان وروسيا التي عرفت كلها انتفاضات وانقلابات عميقة. ويضيف المؤلف أنه حتى ما يعرف بالثورة الإنجليزية قد تمت في إطار المحافظة على النظام القديم وإجراء التغييرات داخل إطاره وليس على شاكلة الفرنسيين مثلاً الذين "دمّروا" النظام القديم وبنوا "نظاماً جديداً".

ثم إن البلدان الأوروبية، على خلاف بريطانيا، عرفت اضطرابات عميقة، بسبب الحروب الخارجية أو الحروب الأهلية. وفي كل الحالات ترتب على الأمر تغيير "النخب القائدة" أو تغيير "البنى الإجتماعية والاقتصادية".

باختصار يرى المؤلف أن بريطانيا "لم تعرف ثورة في الأزمنة الحديثة". ويرفض أن يصنّف في عداد الثورات ما عرف بـ"الحرب الأهلية" لسنوات الأربعينات في القرن السابع عشر ذلك على أساس أنها كانت أقرب إلى "خلاف سياسي" تحوّل إلى مجابهات.

إن مؤلف هذا الكتاب يحدد له هدفاً هو دراسة الأسباب الكامنة وراء هذا التاريخ "المستقر بطريقة غير طبيعية"، مشيراً إلى أنه من الصعوبة بمكان تقديم الأسباب بدقة، بعيداً عن بعض التفسيرات الشعبية "الخاطئة" بوضوح. وينقل في هذا السياق عن الكاتب البريطاني الشهير "جورج اورويل"، صاحب رواية "1984" قوله: "إن الصفة الاستثنائية للإنجليز هي أنهم لا يقتلون بعضهم بعضاً". لكن مثل هذا القول "ليس كلام مؤرخ"، كما نقرأ.

وإذا كانت السمة الأساسية للتاريخ الإنجليزي في العصور الحديثة، هي الابتعاد عن سلوك طريق الثورات، فإن المؤلف يرصد سبع حالات كانت إنجلترا فيها قريبة جداً من الثورة، "على حافتها". ويحدد أولى تلك الحالات بـ"تمرّد الفلاحين عام 1381" أما الحالة الأخيرة فتتمثل بـ"الاضراب العام الذي عرفته بريطانيا عام 1926". وما بين الحالتين هناك "تمرّد جاك كاد" و"احتجاجات سنوات 1530 و1540"، و"الحرب الأهلية عام 1640" و"اضطرابات 1745-1746" و"الحركة المعروفة بحركة الميثاق" خلال سنوات 1838 إلى 1848.

وعلى ضوء هذه الاضطرابات كلها يحدد المؤلف القول إن تاريخ إنجلترا "تتخلله أعمال عنف قاتلة متعددة من التمردات الارستقراطية إلى الاضطرابات الريفية". وكانت تلك الأعمال بمثابة "تعبير عن حالة استياء في قلب التاريخ الوطني البريطاني". وخلال تلك الأحداث" كان الإنجليز على وشك ليس قلب حكومة محددة بعينها، ولكن قلب النظام السائد كله". ولكن الأمر لم يكن يتعلق بثورة حقيقية، فطريق الثورة "لم يتم ولوجه"، كما يدل عنوان الكتاب.

وهنا يتم طرح السؤال "من الذي كان قد يقود الثورة وما هي أهدافها المحتملة؟". الأمر ليس واضحاً، يجيب المؤلف. بكل الحالات، ومن خلال دراسة حالات التمرّد والاحتجاج المتنوّعة التي عرفها التاريخ البريطاني الحديث يصل المؤلف إلى طرح سؤال آخر هو: لماذا فشلت تلك "المشاريع الثورية"؟

أحد الأسباب الرئيسية لذلك "الفشل" يحددها المؤلف بعدم وجود "الوعي الثوري". ذلك بمعنى أن المتمرّدين والمحتجّين لم تكن باستطاعتهم رؤية ما هو أبعد من النظام السائد لديهم. هكذا اكتفوا بالمطالبة بإصلاحات، بل احتل "وات تايلور" مع جحافل الفلاحين الذين تولّى قيادتهم مدينة لندن وطالبوا بتغييرات جذرية في الطاقم المحيط بالملك. لكن عندما قتل "تايلور" ذابت حركة الاحتجاج كلها.

وعلى أولئك الذين يتبنون المقولة الشائعة القائلة: "سعيدة البلاد التي لا تاريخ لها"، يجيب المؤلف أنه من العبث زعم أن "بريطانيا لا تاريخ لها". ذلك أن "ماضيها أكثر من تاريخ منافساتها على الصعيد العالمي"، ولو كان من الصحيح القول إنها لم تعرف ثورة حقيقية بالمعنى العميق الذي يغيّر النظام الاقتصادي والاجتماعي كله.

ولم تعرف بريطانيا أيضاً "ثورات" انتهت غالباً بالدموع وبوصول "شخص قوي" إلى السلطة يفرض نفسه على الجميع باسم الثورة مثلما فعل "ستالين" في روسيا و"ماو تسي تونغ" في الصين و"فيدل كاسترو" في كوبا.

وعن الفارق بين الثورة الفرنسية لعام 1789 والثورة المسماة "إنجليزية" لسنوات 1642-1650، يقول المؤلف إن التبدلات العميقة في مجال الملكية العقارية في فرنسا "قتلت النظام القديم"، ونابليون لم يظهر على مسرح الثورة سوى في وقت متأخر، بينما كان "كرومويل"، الرجل القوي في إنجلترا، كان في قلب الحركة منذ بدايتها وكان ذا عقلية محافظة أرادت المحافظة على النظام القديم.

 

غياب النوايا الثورية

تجدر الإشارة هنا أن استخدام تعبير "لحظات ثورية" من قبل المؤلف لا يعني في تحليلاته أنه كانت هناك "نوايا ثورية حقيقية" تقوم عليها حركات الاحتجاج. هكذا يقول مثلاً إنه في حركة الإضراب العام الذي عرفه عام 1926 كانت النقابات العمالية هي "الأكثر لطفاً بين المطالبين بالإصلاح". والإشارة هنا أن المناخ العام، كان مع ذلك، قابلاً للانفجار بسبب "حادث طارئ ما".

 

المؤلف في سطور

فرانك مكلاين، كاتب ومؤرخ بريطاني، قدّم أكثر من عشرين كتاباً في عدادها "سيرة حياة ريشار قلب الأسد" و"الكابتن كوك" و"حملة برمانيا"، الخ.

الكتاب: السبيل المتروك

كيف أخفقت

بريطانيا

في القيام بثورة

تأليف: فرانك مكلاين

الناشر: بودلي هيد

لندن 2012

الصفحات: 624 صفحة

القطع: المتوسط

The road not taken

Frank Melynn

Bodley Head- London - 2012

624 .P