يعيش العالم اليوم فترة تضمحل فيها أكثر فأكثر فكرة وجود "من ينبغي تعليمهم"، ذلك تماماً على عكس الفترة القريبة منا التي كانت تبنّي فيها الأمم نفسها. ذلك أننا اليوم نعيش حقبة "الزبائن الذين ينبغي جذبهم"، في ظل اقتصاد السوق والمنافسة التجارية. ثم إن سكان الأغلبية الساحقة من بلدان العالم هم حصيلة تنوّع اثني وقومي وعقائدي كبير. بمعنى آخر إنهم نوع من الشتات. وما ينطبق على البلدان بمجملها ينطبق أيضاً إلى حد كبير على المدن بتنوّعها الاثني والديني وأنماط العيش. وحصيلة هذا كله هي أن الأطفال أصبحوا يلجأون "عالماً مختلفاً" عن العالم الذي عاش فيه آباؤهم والذي تكوّنوا فيه.
تلك هي الصورة التي يرسمها عالم الاجتماع الشهير زعمونت بومان، في كتابه الأخير الذي يحمل عنوان "حول التربية". وهو كتاب حوارات مع "ريكاردو مازيو" رئيس التحرير في دار نشر "ايديزيوني" الإيطالية. ويتم توزيع هذه الحوارات تحت 20 عنواناً تبدأ بالحديث عن "أزمة التربية المعاصرة"، وتنتهي في "التربية بعصر العولمة". وعناوين أخرى بينهما لها دلالتها الواضحة على مضمونها مثل "البحث عن ثورة ثقافية حقيقية" و"لا يكفي أن يكون المرء غاضباً"، الخ.
ومن النقاط الأساسية التي تتكرر في حوارات هذا الكتاب التساؤل حول دور التربية في عالم لم يعد البشر يمتلكون فيه رؤية واضحة حول المستقبل، وحيث إن فكرة وجود نموذج- موديل وحيد وكوني للإنسانية غدت تنتمي إلى الماضي "البائد". والتساؤل أيضاً عن الدور الذي ينبغي أن يلعبه المربون في عالم يواجه فيه الشباب بكثير من القلق، وغياب الوضوح في مستقبلهم، وحيث فرص العمل لا تبدو مؤمّنة في نهاية المسار التعليمي.
يضاف إلى هذا كله واقع أن تعاظم حركات وهجرة السكان أدت إلى خلق مجموعات بشرية أكثر تنوعاً، بحيث إن الثقافات غدت تتعايش إلى جانب بعضها البعض ولم تعد تمتلك روابط قوية فيما بينها. ولم يعد شائعاً الاعتقاد أن "الآخر" سوف ينتهي به الأمر إلى الاندماج بشكل كامل "التمثّل" في "ثقافتنا".
إن هذا الواقع الذي يعيشه شباب اليوم يدفع بهم، كما يشرح المؤلفان، إلى الانضواء في حالات كثيرة تحت لواء "عالم افتراضي" والجنوح نحو الكحول والمخدرات، هذا إذا لم يعانوا من حالات الانهيار العصبي. وبكل الحالات يبدو العالم أكثر فأكثر خطورة بالنسبة لهم.
لكن مقابل أشكال السلوك السلبية هذه يجنح البعض نحو العنف وأحياناً في إطار "عصابات" تتواجد في الشوارع ولا يتورعون عن القيام بمختلف أشكال السلب والنهب والسرقة. هؤلاء الشباب يتم تحديد القول إنهم "منبوذون من معابد الاستهلاك". وبالتالي يريدون أخذ "حقوقهم" بالسبل المتاحة لهم. والإشارة في هذا السياق أن أسوأ ما في الأمر هو أن هذه الظواهر لم تعد من عالم الأسرار بل هي "تجري تحت أنظار الساسة وعدم فهمهم ولا مبالاتهم".
ما يتم شرحه هو أنه عندما يجد أصحاب الشهادات الجامعية أنفسهم غير قادرين على إيجاد فرصة عمل تسمح لهم بالعيش كالآخرين وتكوين أسرة، وعندما يسوق المنطق التجاري، فإن التربية تكون حكماً في خطر كبير. والتأكيد أن "ثقافة الاستهلاك" تجلب "القحط الفكري والثقافي" بالضرورة. هذا في الوقت الذي ينبغي أن يكون فيه "تعليم الأطفال" مثل صناعة "الصواريخ الذكية" التي لا تخطئ أهدافها.
ولكن يبقى الخط الناظم لمختلف هذه المواضيع، هي أنها تعالج "الحداثة" الراهنة التي تتميز فيها المجتمعات المعاصرة بأبعادها الصناعية والرقمية، وما ينتج عنهما من تجديد تكنولوجي ونزعات استهلاكية ومن ثقافة "جارفة" من الصعب الوقوف أمامها. ويجهد المؤلفان، خاصة زغمونت بومان، من واقع عالم الاجتماع، من أجل فهم العالم الحديث الذي يرتسم تحت تأثير التصنيع، بثورته الكبرى أولاً ثم بتكنولوجياته الرقمية التي أنتجتها ثورة الاتصالات.
ويحدد المؤلفان القول إن أحد المصاعب الكبرى التي تواجهها المجتمعات الاستهلاكية اليوم تتمثل في كون أن "إيقاع التغيّر" يتم بصورة أكبر بكثير مما كان متصوّراً في عصر ما قبل الثورة الصناعية، وأن زمن التحولات أطول وأوسع. وهذا أدى إلى "تشوش كبير في المؤسسات والتقاليد وأنماط العيش السابقة. ثم إن "التبدلات الجارية" في المجتمعات الاستهلاكية خاصة تبدو أنها "خارجة عن السيطرة". ومن النتائج الكبيرة لحالة القلق السائدة في المجتمعات الحديثة صعوبة التخطيط فيما يخص عدد المدارس التي ينبغي بناؤها خلال العقود المقبلة. وإذا كان من الممكن سابقاً توقع "هامش الخطأ" فإن التبدّل السريع في مجتمعات اليوم يجعل من الصعب توقع ذلك. من هنا تأتي صعوبة التحديد الدقيق لاحتياجات مدينة من المدارس في منظور عقود قليلة مقبلة.
إن التحليلات المقدمة في هذا الكتاب "حول التربية" تتميّز بسمة أساسية هي أنه يتم وضعها في السياق التاريخي للمجتمعات المعاصرة ومسار تطورها. ويطالب بتبني التزامات على هذا الأساس .
سؤال وجواب
لعل السمة الرئيسية في هذا العمل هي تعدد المواضيع التي يتم التعرّض لها. وتحت العناوين العشرين التي جرى اختيارها لكل حوار أجراه الكاتب الإيطالي ريكاردو مازيو مع زعمونت بومان، يطرح الأول سؤالاً أو يصدر تعليقاً حول التربية أحياناً، وأحياناً عن مواضيع أخرى ثم يقوم عالم الاجتماع بتقديم إجاباته.
المؤلفان في سطور
زغمونت بومان، عالم اجتماع وأستاذ في جامعة ليدس. يعتبره كُثر بمثابة المنظّر الرئيسي للواقع الاجتماعي في العالم الحديث. من أشهر مؤلفاته: "المشرّعون والمترجمون: حول الحداثة وما بعد الحداثة والمثقفون".
وريكارد مازيو هو رئيس تحرير في دار نشر "ايديزيوني" الإيطالية.
الكتاب: حول التربية
تأليف: زغمونت بومان،
ريكاردو مازيو
الناشر: بوليتي برس
لندن 2012
الصفحات: 100 صفحة
القطع: الصغير
On education
Zygmunt Bauman, Ricardo Mazzeo
Polity Press- London - 2012
100 .P