"الكلمات هي الوحيدة التي تبقى إلى الأبد"، صاحب هذه الكلمات هو رئيس وزراء بريطانيا الشهير أثناء الحرب العالمية الثانية ونستون تشرشل. وهذا ما ينقله عنه الكاتب البريطاني بيتر كلارك، صاحب العديد من الأعمال عن تاريخ بريطانيا وإمبراطوريتها، في كتابه الأخير الذي يحمل عنوان: "مهنة تشرشل: رجل دولة وخطيب وكاتب".
الملاحظة الأساسية الأولى التي ينطلق منها المؤلف مفادها أن شخصية ونستون تشرشل "السياسي ورجل الدولة" حجبت إلى حد كبير جانباً آخر من شخصيته، يخص شخصيته كـ"كاتب". ولا يتردد المؤلف في القول إن تشرشل "لم يكن مهتماً فقط بالكتابة، بل كانت في صميم حياته وفي اهتماماته". ومن زاوية الكتابة بالتحديد، وكذلك من موهبة "الخطابة" لدى السياسي تشرشل، أحد الأكثر بروزاً في القرن العشرين على المسرح الدولي، يقدّم مؤلف هذا الكتاب صورة أخرى هي صورة "الكاتب".
ويشير المؤلف إلى أن القليل من البشر اليوم يتذكرون أن ونستون تشرشل نال في عام 1953 "جائزة نوبل للأدب". ويرى أنه حتى لو كان كُثر على قناعة أن تلك الجائزة كانت بالوقت نفسه نوعاً من الاعتراف بدوره كزعيم أثناء الحرب العالمية الثانية. فإنه لا بد من التأكيد بنفس القوة، أن المبلغ المالي الذي تقاضاه مع الجائزة يثبّت موقعه كأحد كبار عالم الأدب. خاصة أن "بيتر كلارك" يدعم بالحجج والبراهين فكرة مفادها أنه إذا كانت السياسة شغله الشاغل، لا تمنع واقع أنه لم يكن يكسب حياته منها، بل وأكثر من ذلك أن مساهمته فيها كان "يموّلها" من "قلمه".
وما يؤكده المؤلف بأشكال مختلفة في هذا الكتاب هو أن السياسة والكتابة كانتا باستمرار "مرتبطتين بشكل وثيق" في مسار حياة ونستون تشرشل. وكانت أعماله الكتابية الأولى تهدف بالدرجة الأولى إلى تعريف الجمهور العريض به، ومن خلال ذلك زيادة حظّه في أن يصبح نائباً في مجلس العموم البريطاني.
ولكنه فهم سريعاً، وبالتحديد بعد وفاه والده في الخامسة والأربعين من عمره، أنه ينبغي عليه أن يواجه مستلزمات الحياة حيث لم يرث من والده إلا القليل من المال، وبالتالي عرف الكثير من الأزمات المالية. ولم يكن راتبه في سنوات الثلاثينات كنائب سوى 360 ليره استرلينية سنوياً.
ومن السمات التي يؤكدها المؤلف في شخصية ونستون تشرشل "الكاتب" هو أنه كان يتمتع بموهبة كبيرة في إقناع الناشرين وأصحاب الصحف والمجلات أن يدفعوا له مبالغ مالية كبيرة، وأحياناً عما لم يكن قد شرع بكتابته. وذلك حتى قبل أن ينال شهرة كبيرة أثناء الحرب العالمية الثانية، ومما كان قد زاد كثيراً من "قيمته التجارية" ككاتب. هكذا كان تشرشل قد تقاضى مبلغ مليون ليرة استرلينية جنيه استرليني- عام 1932 كي يكتب عمله الشهير: "تاريخ الشعوب الناطقة باللغة الإنجليزية".
تجدر ملاحظة أن بيتر كلارك يولي في هذا الكتاب أهمية استثنائية لهذا العمل بالتحديد الذي استغرقت كتابته سنوات من حياة ونستون تشرشل. ذلك أنه كان قد وقّع التزاماً عقداً- بخصوصه عام 1932، على أن يتم تسليمه للناشر عام 1939. على خلفية هذه الواقعة يرى المؤلف أن مهنة تشرشل الحقيقية كانت "الكتابة"، لكنه كان "مأخوذاً بالسياسة". ثم إن مفهوم الشعوب الناطقة باللغة الإنجليزية حدد كثيراً طريقته في التفكير، وكذلك طريقته في التعامل مع السياسة الخارجية أثناء الحرب العالمية الثانية ثم بعدها خلال فترة الحرب الباردة.
كان تشرشل "مهندس كلمات"، كما بدا خاصة في خطاباته أثناء الحرب العالمية التالية، والتي أبرزت مظهراً آخر من شخصيته باعتباره "خطيباً بارعاً". ويذكر المؤلف تعابير كان يرددها تشرشل مثل "ساعة المجد" و"نهاية البداية". ولم تكن "الكتابة"، كما يشرح مؤلف الكتاب هي سبيله في "البروز" كشخصية عامة قادت بريطانيا في أحد أكثر الظروف دقة وصعوبة، كانت أيضاً سبيله إلى "الخلود" لقد كان يسعى دائماً إلى تحقيق أقصى درجة ممكنة من "الكمال" في أسلوبه. ذلك ما كان يعبّر بالقول "إن تطلعاتي بسيطة، فأنا لا أحب سوى الأفضل".
وفي أحد فصول هذا الكتاب يبيّن المؤلف أن مفهوم "الشعوب الانكلوسكسونية" الذي ظهر، أي المفهوم، خلال سنوات التسعينات في القرن التاسع عشر، ثم انتشر بقوة في سنوات العشرينات من القرن الماضي بعد "التحالف الأوروبي- الأميركي" في نهاية الحرب العالمية الأولى 1917-1918، شكّل أحد المقولات السياسية الإنجليزية الحديثة عن العلاقة الوثيقة بين بريطانيا و"أبناء العم" على الشاطئ الأميركي من المحيط الأطلسي. وعلى خلفية مثل هذا المفهوم عرف تشرشل كيف يخترع تعبير "العلاقة الخاصة" عبر الأطلسية.
وفي سنوات الخمسينات المنصرمة، بعد تجربة الحرب المنهكة، بدا تشرشل في غاية الإنهاك، بعد أن أنجز ستة مجلدات من "ذكرياته عن الحرب". لقد كسب آنذاك الكثير من الأموال، وكذلك كانت فائدة ناشريه كبيرة جداً. لقد كان آنذاك بصدد "ترسيخ أقدامه" في طريق الكتابة والخلود.
جبهتان: الكتابة والسياسة
يشرح بيتر كلارك أن تشرشل كان "يناضل على جبهتين خلال سنوات الثلاثينات" من القرن الماضي. لقد كان عليه أن ينهي كتابة "تاريخ الشعوب الناطقة باللغة الإنجليزية"، تنفيذاً لعقد وقعه. وكذلك كان مسكوناً "من موقعه السياسي" بالتهديد الذي كان يتعاظم على أوروبا مع صعود النازية في ألمانيا. بهذا المعنى يرى المؤلف أن تشرشل كان "متعدد الانتماء" مثلما كان هو نتاج زواج بين ارستقراطي إنجليزي ووريثة أسرة أميركية.
المؤلف في سطور
بيتر كلارك كاتب بريطاني له العديد من المؤلفات. من أعماله: "كنزي: صعود وسقوط وعودة الاقتصادي الأكبر نفوذاً في القرن العشرين" و"الألف يوم الأخيرة من حياة الإمبراطورية البريطانية" و"الثورة الكنزية 1929-1936" و"تاريخ بريطانيا العظمى" من ثلاثة أجزاء.
الكتاب: مهنة تشرشل
رجل دولة
وخطيب وكاتب
تأليف: بيتر كلارك
الناشر: بلومسبري برس
لندن 2012
الصفحات: 368 صفحة
القطع: المتوسط
Mr Churchillصs profession
Peter Clarke
Bloomsbury Press- London - 2012
368 .P