يتفق المحللون الاقتصاديون عامة على القول أن الرئيس الأميركي الحالي باراك اوباما واجه عند وصوله إلى السدة الرئاسية للولايات المتحدة وضعا اقتصاديا سيئا لا سابق له منذ ثلاثينات القرن الماضي وما عرفته من "الكساد الكبير".

وأمام مثل ذلك الوضع لجأ الرئيس باراك اوباما إلى "توظيف" عدد من عُرف عنهم أنهم من "أصحاب العبقرية المالية"، ممن كانوا قد خدموا في إدارة الرئيس الأميركي الديمقراطي الأسبق بيل كلنتون والذين كانوا أبدوا استعدادهم "للعب نفس الدور مرة أخرى".

عن الوضع الاقتصادي الأميركي الصعب وعن حصيلة ثلاث سنوات من مساهمة "العبقريين الماليين" المعنيين، يقدّم رئيس تحرير "ذا نيو ريبوبليك"، الصحفي الاقتصادي الأميركي المعروف، نوام شيبير، كتابا تحت عنوان: "الفنانون الهاربون" ،والمقصود "فريق اوباما الاقتصادي".

النتيجة الأساسية التي يصل إليها المؤلف مفادها أن الاقتصاد الأميركي لا يزال يواجه وضعا في منتهى الصعوبة بعد ثلاث سنوات من وصول باراك اوباما إلى الرئاسة، وبالتالي من الواضح أن "النجوم" المعنيين لم يفلحوا في تحقيق ما كان يُنتظر منهم، بل لا يزالون "بعيدين" عن تحقيق ذلك. لكن ما تتم ملاحظته مباشرة، هو أن "العيب" قد لا يكون في عمل هؤلاء الخبراء، لكن بالأحرى يعود لـ"أسباب داخلية" لها تاريخيتها.

هذا الرأي يصل إليه المؤلف عبر تحليله لعدد من "الوثائق الداخلية" التي لم يتم الكشف عنها سابقا. ولعدد من التقارير التي تم تداولها على أعلى المستويات في البيت الأبيض. ويبيّن المؤلف من خلال ذلك ما يعتبره "الأخطاء" التي ارتكبها الرئيس باراك اوباما ومثّلت "خطوات غير ملائمة". هذا فضلا عن أنها منعت اتخاذ مجموعة من "الإجراءات الجسورة" التي ربما كان منها أن "تعيد الثقة" بالاقتصاد الأميركي. كما يؤكد المؤلف في هذا السياق على أن "البيت الأبيض" وجد نفسه باستمرار تقريبا، تحت الضغط "المعطّل" للجمهوريين في الكونغرس الأميركي.

وبعد ثلاث سنوات من وجود باراك أوباما في البيت الأبيض لا يزال "المشهد الاقتصادي" الأميركي يدعو إلى كثير من التشاؤم. ذلك أن الأرقام والإحصائيات الرسمية تدل علة أن "مستوى البطالة لا يزال يثير القلق". والهوة بين الأغنياء والفقراء "لم تتوقف عن الاتساع". وجميع أشكال المنشطات والحوافز التي جرى تبنّيها لم تؤد بالمقابل إلى خلق فرص العمل المرجوّة.

ويشير المؤلف أن الرئيس أوباما كانت له منذ البداية "أولويات أخرى". وأنه لم يكن بالأصل مرشحا من أجل القيام بعملية "تنقية كاملة لأجواء الفوضى الاقتصادية "السائدة في أميركا منذ عقود. ولكن بالأحرى حدد لنفسه بعض "المهمات الملحّة"، ذلك من أجل تدشين توجهات يتم تنفيذها على مدى جيل كامل مثل "إصلاح النظام الصحي" المطبق في منظور "تغيير التوجه الأميركي". وينقل المؤلف عن "تيموتي غيتز" قوله للرئيس اوباما عند فوزه بالانتخابات الرئاسية: "إن عنوان نجاحك سوف يكون الوقاية من حدوث كساد كبير". ولم يتردد الرئيس المنتخب في الإجابة بقوله: "هذا ليس كافيا بالنسبة لي".

إن هذا الكتاب عن السنوات الأولى من رئاسة باراك أوباما يبدو بمثابة "مزيج" من التحقيق الصحفي والتحليل الاقتصادي ووجهات النظر الخاصة. ولعلّ الميزة الأكبر لهذا العمل تكمن في الكمّ الكبير من المعلومات التي يقدمها مما يجعله من بين الأكثر ثراءً في ميدانه.

ويشرح المؤلف أن من بين القرارات الأولى التي اتخذها بعد أن فاز بالرئاسة كان "جمع" الخبراء الاقتصاديين الذين عملوا في ظل إدارة بيل كلنتون كي يُصبحوا بمثابة "قلب فريقه المالي". كانت فكرة "اوباما" تقوم، كما يرى المؤلف، على مقولة مفادها أن هؤلاء الخبراء كانوا قد "تعاملوا" مع الأزمات المالية أثناء إدارة كلنتون وبالتالي قد يكون من المفيد البحث عنهم في السياق المأزوم للاقتصاد الأميركي. وكانت النصيحة التي تلقاها اوباما من المقرّبين منه هي أن "يعطي الأولوية للنهوض الاقتصادي من جديد". تتم الإشارة هنا أن اوباما أبدى، ما يسميه المؤلف، بـ"النزعة التبشيرية الذاتية".

وعلى مدى عدة فصول يقوم المؤلف بتحليل "أصول الفريق المالي لباراك اوباما" كي يصف ذلك الفريق أنه نوع من "الخليط، الحشو" الذي سرعان ما ظهرت "الصراعات الداخلية" فيه على خلفية "الأولويات الاقتصادية" المختلفة لأعضائه. ومن خلال ما يقارب 200 مقابلة أجراها المؤلف وما يترتب على التنافس الداخلي يصل المؤلف إلى القول أن "الصورة التي تبرز هي صورة رئيس لم يكن مسيطرا على فريقه". والإشارة أيضا أن ذلك هو الجو الذي أراده الرئيس. ولا يتردد المؤلف في القول أن "الفشل" يمثل الحصيلة الأساسية لمثل هذا الفريق.

ودلائل ذلك الفشل هو أن الخبراء المعنيين لم يستطيعوا الارتقاء إلى مستوى النهوض الذي اعتقدوا أن الاقتصاد الأميركي بحاجة ماسة إليه. ثم إنهم لجأوا إلى "خيارات" ما كان لهم أن يحصلوا على موافقة "الكونغرس" لتبنّيها كي تصبح نافذة. وهذا كله وجد صداه في تلكؤ النهوض الاقتصادي الأميركي خلال السنوات الأولى من إدارة باراك أوباما.

وتحليل مفصل وعميق للطريقة التي مارس فيها خبراء اقتصاديون "مخضرمون" تأثيرا كبيرا على "رئيس شاب" يواجه سلسلة من الصعوبات التي تبدو مستحيلة الحلول.

 

أفكار وأسئلة

من الملاحظ أن "نوام شنيبير" يقدم صورة تفصيلية عما يجري داخل البيت الأبيض فيما يتعلق بآلية اتخاذ القرارات الاقتصادية الحاسمة. ومن قال "كذا" ولمن قاله ولماذا قاله؟ ومن الواضح أيضا أن المعلومات المقدّمة تتجاوز كثيرا ما تقوله الصحف، وما يتم تبادله أثناء النقاشات العامة. إن المؤلف لا يكتفي أيضا بتقديم المعلومات، لكنه يطرح "الأفكار" ويعرض "الأسئلة".

 

المؤلف في سطور

نوام شيبير هو رئيس تحرير مجلّة "الجمهورية الجديدة ذي نيو ريبوبليك". وهو مختص بالكتابات السياسية وبالتحديد أكثر بالسياسات الاقتصادية للإدارات الأميركية، وآخرها إدارة باراك اوباما. يساهم بالكتابة في مطبوعات عديدة منها "نيويورك تايمز" و"واشنطن بوست"، وفي برامج تلفزيونية مع "سي.ان.ان" و"سي. ان.بي.سي" وغيرهما.

الكتاب: الفنانون الهاربون

«فريق اوباما الاقتصادي»

تأليف: نوام شينبير

الناشر: سيمون وشستر- نيويورك- 2012

الصفحات: 368 صفحة

القطع: المتوسط

The escape artists

Noam Schneiber

Simon and Schuster- New York- 2012

368 .p