"يوميات سجن تول"، كتاب من 248 صفحة، ويقدم فيه مؤلفه كريستوف دو لا كوندامين "يومياته" في سجن بلدة تول الفرنسية. تلك اليوميات التي بدأها منذ الليلة الأولى التي أمضاها خلف القضبان عدة سنوات من حياته، بسبب عملية سطو قام بها مع شريكين. بعد عامين من عملية السطو تلك تم القبض على كريستوف دولا كوندامين عند خروجه من مركز شرطة بلدة "سينون"، حيث كان قد جاء لتقديم شكوى مفادها أنه تعرّض للسرقة وأن اللصوص اعتدوا عليه بالضرب.

 ثم ألقت الشرطة القبض على "شريكيه" في عملية الطريق السريع. تتالت بعد ذلك التحقيقات والاستجوابات والوقوف أمام المحاكم وفي النهاية حكم بالسجن لمدة ست سنوات. ومنذ تخطّي أبواب السجن نحو داخله تحوّل ذلك الخارج على القانون إلى مجرّد "رقم"، وسط سجن مكتظّ بالجانحين والمجرمين، حيث العنف هو اللغة المستخدمة في كثير من الأحيان. ومنذ البداية قرر ذلك السجين أن "يحمي نفسه"، كما يقول، بواسطة كتابة يومياته.

نقرأ: "منذ طفولتي كنت مولعا كثيرا بالقراءة التي كنت أنكبّ عليها دون كلل ولا ملل. ذلك رغم أنني لم أحصل أبدا على الشهادة الثانوية. ثم جاءتني فجأة رغبة الكتابة منذ وصولي إلى السجن. لقد وجدت فيها وسيلة من أجل حماية نفسي. اخترت الكتابة على طريقة الأسلوب الصحفي. هكذا سيجد القارئ في هذا العمل يوميات تتخللها العودة دون أي تقيد بالتسلسل الزمني فلاش باك- مبتعدا بذلك عن أسلوب الكتابة الروائية".

وهذا الكتاب هو قبل كل شيء عن الحياة داخل السجون وعلاقات السجناء فيما بينهم، وعلاقاتهم مع سجّانيهم. إنه كتاب عن "السجن من الداخل" وهو عمل "توصيفي" بامتياز يتسم بقدر كبير من الدقة. ولا يبدي كريستوف دولا كوندامين أي أسف على ما كان قد فعله. بل على العكس يرى أنه أصبح "شهيرا". فوسائل الإعلام تتحدث كثيرا عن أولئك الذين يخرّبون ويدمرون وقليلا جدا عن أولئك الذين يبنون. يقول: "لقد أصبحت شهيرا بفضل مبلغ 180000 يورو كنت قد سطوت عليها".

وبعد أن يؤكد مؤلف هذه اليوميات أنه كان على غاية التوتر أثناء محاكمته، وأنه عندما أصبح "نزيل السجن" أو ما يسميه "بلاد الداخل"، فقد الكثير من عادات حياته اليومية. لكنه لم يستطع أن يفهم أبدا كيف استطاع أهله القريبون منه "العيش بدونه". ولم يفهم أبدا "العنف الذي لم يغادره أبدا". وهو يعيد ذلك كله إلى واقع أنه "تحوّل من إنسان إلى الرقم 14678".

لكن النقد الأكبر الذي يصدر عن السجين السابق هو عن "عالم السجون" في فرنسا اليوم وصعوبة الحياة بداخلها وكيف يمكن لمن يدخل هذا العالم أن يتحوّل إلى مجرم حقيقي بعد أن يكون قد دخله كمجرّد "جانح صغير". ويذكّر أنه استطاع أن يحمي نفسه بواسطة الكتابة، والقراءة، ثم أن مسار حياته وأجواء أسرته لم تكن تحضّره كي يكون سجينا بالضرورة.

يكتب بهذا الخصوص: "لقد جاء والدي للعمل في مدينة بوردو عندما كنت أبلغ من العمر عامين فقط. كنا نسكن في بلدة لورمون. لكن كان يمكن في تلك الفترة ترك الدراجة دون ربطها بما يمنع سرقتها في الأحياء التي يطلقون عليها تسمية "الصعبة". هذه الأحياء هي التي تسكنها نسبة كبيرة من المهاجرين وأبنائهم، خاصة من المستعمرات الفرنسية السابقة. ويذكر كريستوف دو لا كوندامين أنه عاش فترة مراهقة في غاية الصعوبة، وأنه كان "الأخير بين تلامذة صفه".

فالدراسة لم تكن هي همّه الأول، بل وأنه ترك المدرسة الثانوية في عامه الأول بعد دخولها. عندما بلغ الثامنة عشرة من العمر انخرط في الجيش ليصبح "ضابط صف" في سلاح المدفعية، وبعد أربع سنوات أمضاها في الخدمة العسكرية وقع في الحب فقرر أن يترك الجيش و"يتزوّج". غادر بعدها منطقة "بوردو" إلى العاصمة الفرنسية باريس ليعمل في مجال التجارة حيث حقق بعض النجاح.

 

المؤلف في سطور

كريستوف دو لا كوندامين، من مواليد عام 1963، مارس الكثير من المهن في حياته كعسكري وتاجر وموظف ورئيس شركة وفنان، قبل أن يكرس نشاطاته للكتابة، لكن بعد عدة سنوات أمضاها خلف القضبان في سجن بلدة "تول" الفرنسية.

تاريخ منعطف

يعود المؤلف بداية إلى ليلة 11-12 نوفمبر- تشرين الثاني من عام 2002. في تلك الليلة قام مع اثنين من "شركائه" بالعملية التي لا تزال حتى اليوم هي أحد أكبر عمليات "السطو" على حصيلة رسوم المرور على الطريق السريع في منطقة "جيروند" الفرنسية. بلغت تلك الحصيلة 180000 يورو. ولا يزال كُثر يتذكرون الأصداء الكبيرة التي أثارتها تلك العملية لدى الرأي العام الفرنسي آنذاك.

الكتاب: يوميات سجن "تول"

تأليف: كريستوف دولا كوندامين

الناشر: لارماتان- باريس- 2012

الصفحات: 247 صفحة

القطع: المتوسط

Journal de Taule

Christophe De La Condamine

LصHarmattan - Paris- 2012

247 .p