نال البير جاكار، شهرة كبيرة في فرنسا، باعتباره عالما في مجال المورثات البشرية: الجينات. ولكنه معروف أيضا كشخصية ذات اهتمامات جامعية. وبعد أن أنجز سلسلة من الكتب حول مسائل العدالة الاجتماعية والدفاع عن حق الاختلاف ومناصرة الضعفاء، يقدم، حديثاً، كتابا عن سيرة حياته، تحت عنوان "في سنوات شبابي".
يأتي الكتاب، بعد وفاة زوجة المؤلف بفترة قصيرة. كما انه يقدمه بصيغة اعترافات حول سنوات طفولته وشبابه، وكأنها تنتمي إلى إنسان غيره، مختلف عن البير جاكار الذي تعرفه الملايين من البشر . ويجدون فيه صوت الذين لا صوت لهم. والرجل الذي يحسن مراقبة ما يجري في العالم، حسب التوصيفات المنقولة عن الآخرين.
يؤكد المؤلف أن طفولته توقفت في التاسعة من عمره، في مدينة ليون الفرنسية التي ولد فيها عام 1925. إنه يعود إلى ذلك اليوم، 31 ديسمبر، إذ كان الجو شديد البرودة، بينا المطر يهطل. وكان والده من يقود السيارة آنذاك. وفجأة علقت العجلة بأحد خطوط السكّة الحديدية.
وتصادف ذلك مع مرور القطار. فبدت الصدمة وكأنها تعلن نهاية العالم. ةهكذا توفي الأخ الأصغر البالغ من العمر آنذاك، خمس سنوات، على الفور. وتوفي الجدّان في اليوم التالي. ولكن البير وجد نفسه، عندما استفاق من غيبوبة، بين يدي الجرّاحين. إذ عملوا كل ما كان في مقدورهم لترميم الوجه. ويضيف:" ولكن، ومنذ ذلك اليوم، أصبحت مرايا العالم هي أعدائي المقيتة.
إن الأمر الأكثر أهمية في حياته، يحدده البير جاكار بـ"لقاء البشر". ذلك أن اللقاءات هي التي تبني الشخصية وتمنح الإنسان الطاقة. وبفضل البشر بالتحديد، يرى أنه أصبح إنسانا متساميا، هذا بمعنى الإنسان الذي يرتفع عبر الاعتماد على الآخرين. ويلفت إلى أن ما يصنع الإنسان ككائن اجتماعي، الروابط التي يقيمها معهم. ويشير في هذا الصدد، إلى أن العلم والحياة يجعلاننا نعلم أن الأنا تعني التعدد بالدرجة الأولى، وكذا البشر يشكلون معا الإنسانية، مثلما يشكل مجموع الخلايا، الجسد.
ويروي المؤلف أن اللقاءات الأولى التي عاشها، كانت بين دفتي الكتب. ويشير الى أن ذكرياته الأولى من مدينة سواسون، بلد أسرته الأصلي، تتمثل في رائحة المكتبة، وليس في كنيسة المدينة. ففي المكتبة كان يحس أن العالم كله تحت قدميه.
وفي ما هو أبعد من الألم الكبير والآثار المستدامة التي تركها حادث 31 ديسمبر في حياته، وعلى وجهه، يرى أنه عرف في ذلك اليوم، ولادة ثانية. ذلك على اعتبار أن اكتساب البصيرة، يشكل ولادة ثانية.
ويؤكد البير جاكار، ذو الأصل اليهودي، أنه لم يكن يعرف ماذا تعني هذه الكلمة. ولم يكن هناك من كان قد نطق فيها بمنزلهم. ويشير في هذا السياق، إلى أن كان، عندما نشبت الحرب العالمية الثانية، في العشرين من العمر. وكان يمكنه أن يلتحق بالمقاومة، ولكن ذلك لم يخطر له حتى لثانية واحدة.
وهو يعيد ذلك إلى تركيز اهتمامه على ذاته، إلى درجة أنه عاش تحرير فرنسا من الاحتلال النازي، كحدث خارجي. ويصل إلى القول انه حتى عام 1961 كان "مسافرا في قطار التاريخ". ثم فجأة وذات صباح، تصفّح الجريدة واكتشف أنه في منطقة قريبة من منزلهم "ألقت الشرطة متظاهرين جزائريين في نهر السين". كانوا يطالبون بحرية بلادهم واستقلالها. وبدأت يومها مسيرة التضامن مع قضايا التحرر والعدالة الاجتماعية.
حادث لا ينسى
سر كبير يكشف عنه البير جاكار، عن الحادث المروري الخطير الذي تعرّض له، عندما كان عمره تسع سنوات، والذي كان ضحيته أحد إخوته وجدّيه- من ناحية أبيه. وكان نصيبه من ذلك الحادث، تشوّه وجهه. الأمر الذي لا يزال باديا بوضوح حتى اليوم، لكل من ينظر إليه. وما يؤكده المؤلف أنه لم يتعرّف أبدا على نفسه في المرآة، بعد ذلك الحادث.
المؤلف في سطور
البير جاكار، أحد أشهر علماء الوراثة الفرنسيين المعاصرين. تخرّج من مدرسة "البوليتكنيك" . وهو أحد الشخصيات المعروفة بنضالها من أجل مجتمع أكثر عدالة. قدّم العديد من الكتب، منها: محاولات من أجل رؤية واضحة.
الكتاب: في سنوات شبابي
تأليف: البير جاكار
الناشر: ستوك
باريس 2012
الصفحات: 112 صفحة
القطع: الصغير
Dans ma jeunesse
Albert Jacquart
Stock - Paris- 2012
112.P