أسهم الروائي والناقد والكاتب الفرنسي بيير جورد، في بحث ودراسة العديد من الأعمال في الحقل الثقافي. فنقدها وتناول جوانب موقعها في المجتمع، مركّزاً في ذلك، على الثقافة الفرنسية. وهذا ما يفعله أيضا في كتابه الأخير الذي يحمل عنوان "إنهم يغتالون الثقافة". إذ يعالج فيه، وبالتحديد، الوضع الثقافي في فرنسا.
يشرح بيير غورد، كيف أن السلطات السياسية والاقتصادية والإعلامية، تجتمع كلها في الحقبة الراهنة، كي تدفع المجتمعات الاستهلاكية نحو بربرية جديدة، لها مظاهرها التي يحددها في: تدني مستوى التعليم في المدارس، تحوّل الجامعات إلى وحوش بيروقراطية، الدور السلبي الكبير الذي يعلبه التلفزيون، تخريب المعاهد الثقافية الفرنسية، الازدراء المعلن للأدب، موت الثقافة الشعبية، اختفاء العقل النقدي.
إن هذه المظاهر حول التخريب الثقافي، تجد صداها في عناوين الفصول السبعة التي يتألف منها الكتاب، والتي جاءت كالتالي: وسائل الإعلام، التربية، الجامعة والبحث العلمي، السياسة الثقافية، الحياة الثقافية، الكتب والكتّاب، المنظومة الأخلاقية والأدب.
ويؤكد المؤلف، بداية، أن الذين يديرون إدارة شؤون بل مثل فرنسا اليوم، على الصعيدين السياسي والاقتصادي يزدرون، بأغلبيتهم، الثقافة والمثقفين. أو لا يبالون بهم. ولا يتردد المؤلف في التأكيد أيضا، على أن مثل هذه الحالة، لم تك معروفة سابقا، إلا بدرجة قليلة. ويلفت إلى أنه في حالة اهتمام رجال السياسة والاقتصاد، بالثقافة، مع التأكيد على ندرة مثل هذا الاهتمام، فإن ذلك لا يتم غالبا على صعيد العمق، أو بهدف الوصول إلى مشاركة شعبية حقيقية في الفعل الثقافي، ولكن بالأحرى، من أجل تشجيع بعض مثقفي النخبة أو فنانيها، ولصالح المعنيين من المسؤولين.
ويشرح المؤلف في هذا السياق، أن التقهقر والتردّي، السمتان الغالبتان في المجتمعات الغربية الاستهلاكية، على جميع الأصعدة ذات العلاقة بالثقافة، من المؤسسة التربوية الأولى : المدرسة، إلى الإشعاع الثقافي في الخارج، ومرورا بالجامعة ووسائل الإعلام ومكانة المثقفين والفنانين.
وعلى صعيد المدرسة مثلا، يشدد المؤلف على ضرورة أن يكون دورها، تعليم الأطفال حقائق العالم الذي نعيش فيه، وليس حشو رؤوسهم بمعلومات تتعلق بكيفية الحصول على فرصة عمل لاحقا.
ويلفت المؤلف أيضا، إلى أن الأمية تتعمق، فهناك عدد كبير من الطلبة الذين يدخلون الجامعات، يجد صعوبة في صياغة جملة صحيحة. وهذا فضلا عن أن الغالبية الساحقة من الطلبة، تجهل ماضي البلاد، إلى درجة كبيرة ومثيرة للقلق حيال الهوية الوطنية ببعدها التاريخي. ولم يكن محض صدفة، أن المؤلف أهدى العمل إلى أمه : "إلى كوليت غورد، أمّي، التي علّمت، خلال عقود، الأطفال، القراءة. ولا يزالون يذكرونها".
ويسأل المؤلف: لكن ما هي الثقافة اليوم؟
إنها لم تعد تتمثل في المدرسة، بالنسبة للجمهور العريض، وهي ليست في بيوت الثقافة، ولا في المكتبات. كما غابت أكثر عن السينما. وبالنسبة للقسم الأعظم من البشر، أصبحت الثقافة هي التلفزيون. وبالإضافة إلى ذلك، تدل مؤشرات كثيرة، كما يرى المؤلف، على أن هذه القناة الثقافية السائدة، ليست واعية أبداً لمسؤولياتها، وهي لا تتبنى أي توجه تربوي ثقافي، عبر تقديم برامج ذات مضمون ثقافي أو تنمّي الوعي الثقافي لدى المشاهدين. بل على العكس، غدا التلفزيون امبراطورية الحماقة الظافرة.
ويشير المؤلف إلى أنه، وباستثناء بعض البرامج القليلة جداً، ليس هناك أي مضمون مفيد لما تقدمه قنوات التلفزيون المختلفة. والنتيجة التي يصل إليها المؤلف، يوجزها : "إن التلفزيون، مثل غالبية وسائل الإعلام الأخرى، لا يمثل أساساً، سوى الهيئة الناطقة باسم التجاّر، أو أصحاب رؤوس الأموال الذين يملكونه".
وفي المحصلة، يؤكد المؤلف، أنه لا توجد حياة ثقافية ممكنة، من دون توفر ركيزتين أساسيتين، وهما : البحث، التجديد. وهذا بالنسبة لوسائل الإعلام والجامعات والسياسة الثقافية بشكل عام. ولا يغفل الإشارة إلى أن الإنسان المثقف، هو الذي يعرف كيف يختار رفاقه، من البشر ومن الأشياء ومن الأفكار، في الوقت الحاضر كما في الماضي، وذلك طبقا لما ينقله المؤلف عن "حنّه ارنت"، في جملة صدّر فيها كتابه.
من المسؤول؟
يحمل مؤلف الكتاب، قسطا كبيرا من مسؤولية التردي الثقافي، لبعض القرارات المأساوية للسلطات العامة، والتي لا ترى، مثل قسم من الرأي العام، أنه هناك أية مصلحة في دعم الثقافة والمثقفين والفنانين والمبدعين.
المؤلف في سطور
قدّم بيير جورد ما يزيد على 30 كتابا، بين الرواية والنقد والدراسات. ومن مؤلفاته: الأدب دون معدة (الذي حصل عام 2003 على جائزة النقد من الأكاديمية الفرنسية، وعدد من الجوائز الأخرى)، الأدب والأصالة.
الكتاب: إنهم يغتالون
الثقافة
تأليف: بيير جورد
الناشر: بالان
باريس 2011
الصفحات: 288 صفحة
القطع: المتوسط
Cصest la culture quصon assassine
Pierre Jourde
Balland - Paris- 2011
288.P