من المعروف عن الفيلسوف الفرنسي المعاصر ميشيل شير، أنه أحد أشهر مؤرخي العلوم في أوروبا والعالم أجمع. وكان قدّم العديد من الأعمال الفلسفية وفي مجال تاريخ العلوم.

 وأمام التغيرات الكبيرة التي شهدها العالم خلال عقود قليلة من الزمن يرى ميشيل سير أن نموذجا جديدا للذهنية الإنسانية، بصدد الظهور، ويطلق عليه تسمية " الجيل الجديد"، أو "الأصبع ـ الإبهام ـ الصغير"، كما جاء في عنوان كتابه الأخير، صغير الحجم، الذي أثار الكثير من النقاشات والتعليقات في وسائل الإعلام الفرنسية.

يرى المؤلف أن العالم تغيّر في مدة قصيرة، إلى درجة أنه ينبغي على الشباب، إعادة اختراع كل شيء. وهكذا أصبحوا يمثلون نموذجا جديدا، إذ يستطيعون إصدار الرسائل بنقرة بالإبهام على الحاسوب. ولا يتردد المؤلف في اعتبار أن هذا يمثّل ثورة حقيقية بالنسبة للمجتمعات الغربية، كما يحدد القول، والتي عرفت حتى الآن ثورتين كبيرتين، تمثلتا في الانتقال من ما هو شفهي إلى ما هو كتابي، ثمّ من ما هو مكتوب إلى ما هو مطبوع.

والعالم يعيش اليوم خطوة حاسمة جديدة تتمثّل في الانتقال إلى التكنولوجيات الجديدة، التي تعلن ولادة جيل جديد يعبّر عنه بامتياز: "جيل الإنترنت والهاتف المحمول ـ الموبايل". ويحدد المؤلف القول، إن هذا الانتقال الجديد له نتائجه الكبرى على المجتمعات الإنسانية كلّها، من حيث أشكال التبدّل الجوهرية التي ستنجم عنه على مستوى الأصعدة السياسية والاجتماعية والذهنية.

ومن الواضح أن ميشيل سير لا يصدر حيال ذلك أي حكم أخلاقي، ولا يرى فيه سوى واقع جديد ينبغي على البشر التعايش معه واختراع سبل ذلك. وخاصّة التأكيد على ضرورة تعلّم كيفية العيش المشترك وخلق المؤسسات التي تتيح ذلك.

إن "العالم الجديد" الذي ترتسم ملامحه اليوم هو، وكما يراه ميشيل سير، مغاير كثيرا لذلك الذي عرفه الأجداد . ذلك من حيث إنه يشكل قطيعة ثالثة بعد تلك التي رافقت الكتابة، والأخرى المرتبطة باختراع المطبعة من قبل غوتنبرغ. وتتزامن القطيعة الجديدة مع عدد من العناصر المستجدّة، وهي: ازدياد عدد السكان، التطوّر العمراني الهائل، التقهقر الكبير للزراعة في النشاطات البشرية، زيادة المعدّل الوسطي لعمر الإنسان، وتقدّم الطب.

وهذه العناصر المستجدّة لها نتائجها المباشرة على مفاهيم اجتماعية عميقة . وهكذا مثلا، أصبح الشباب عندما يقدمون على الزواج، يبنون حياة مشتركة، ربما تستمر عقود عدّة، بينما كان الأمر مختلفا منذ عدّة أجيال فقط. ثم إن المستجدات التكنولوجية غيّرت مفاهيمنا حول الزمان والمكان.

كما أنها لم تقلّص المسافات مثل ما فعلت الدواب ثم السيارات والطائرات، ولكنها ألغتها تماما.ويوضح أن الجيل الجديد يترعرع وسط عالم مضطرب ويعرف تبدّلات عميقة، كتلك التي كانت قد رافقت نهاية العصور القديمة أو نهاية الإمبراطورية الرومانية أو نهاية عصر النهضة، لافتا إلى أن فترات التحوّل هي في الوقت نفسه، فترات أزمة مثل تلك التي تعيشها المجتمعات الغربية اليوم. وهذه الأزمة تبدو تجلياتها الواضحة على صعيد المدرسة وأسواق المال والكنيسة والسياسة والعلاقات الاجتماعية .

ويشدد في هذا السياق، على أنه ليس هناك أي مجال لا يعاني من الأزمة اليوم. ذلك أن المؤسسات ذات البنى القديمة لم تعد تستجيب لمتطلبات اللحظة، ولا بد للجيل الجديد من التكيّف مع فترة ما بعد القطيعة التي خلقتها التكنولوجيات الجديدة .

ويحدد المؤلف بدايات "القطيعة" الحالية في سنوات 1965 ـ 1975، وذلك مع العزوف في الغرب عن الزراعة و الابتعاد عن أمّنا الطبيعة. ويشير إلى أنه في عام 1900 كان 70 بالمئة من الفرنسيين يعملون في الأرض، ولم يعد يعمل فيها اليوم سوى 1 بالمئة.

وغدت الأرياف مكانا للعطلة وليس مجالا للعمل. والجيل الجديد يعيش عامّة في المدن ولا تشكل الأرياف بالنسبة إليه سوى منتجعات سياحية، وبالتالي لا يحمل هموم حماية البيئة وسخونة المناخ كمصادر تهديد مباشرة لحياته.

ولا يتردد ميشيل سير في القول ان الشباب لم يعودوا يتحدثون لغة الجيل السابق؛ وإن لغة الجيل الجديد، أكثر ثراءً. ويلاحظ أن الأكاديمية الفرنسية كانت تصدر كل 40 سنة قاموسا. وكان الفارق بين كل طبعة وأخرى في القرن الماضي، العشرين، هو ما بين 4000 إلى 5000 كلمة مضافة . أمّا الفارق اليوم بين آخر طبعة والطبعة التي ستصدر بعدها، فهو حوالي 30000 كلمة. ما يعني أن الأجيال القادمة ستبتعد كثيرا( لغويا)، عن الجيل الحالي، بمقدار ابتعاد هذا الأخير عن اللغة الفرنسية القديمة التي تعود إلى قرون سابقة عديدة.

ويؤكد المؤلف ان ما ينطبق على اللغة، في هذا الصدد، ينطبق على غيرها.

 

لغة جديدة

 

يلاحظ المؤلف، التغيّر الكبير الذي استجدّ على صعيد القاموس اللغوي المستخدم. إذ لم يعد الطلبة، حتى في المستوى الجامعي، يفهمون جيداً نصّاً يعود إلى القرن التاسع عشر. ويتحدث عن الحصاد والحصّادين وآليات الحرث والزرع والقطاف. ويلفت إلى أن هؤلاء الطلبة لم يعرفوا الريف في طفولتهم، وهم يجهلون إلى حد كبير، قاموسه اللغوي. والشباب لم يعودوا يتحدثون لغة الجيل السابق، نفسها.

 

المؤلف في سطور

 

ميشيل سير، أحد أهم الفلاسفة الفرنسيين المعاصرين. يحمل شهادة التأهيل العليا (اغريغاسيون) في الفلسفة، وكذا شهادة الدكتوراه في الأدب. خدم، لفترة محددة، في البحرية الفرنسية. ثمّ تحوّل نهائيا إلى الكتابة وكذا تدريس تاريخ العلوم في جامعة السوربون وفي ستانفورد. وهو عضو في الأكاديمية الفرنسية. ومن مؤلفاته: مديح الفلسفة.

 

الكتاب: الجيل الجديد

تأليف: ميشيل سير

الناشر: بومييه

باريس 2012

الصفحات: 80 صفحة

القطع: الصغير

Petite poucette

Michel Serre

Pommier - Paris- 2012

80 .P