صدر كتاب "السينما المكسيكية: تأملات حول المجتمع"، للمرة الأولى، عن جامعة كاليفورنيا، في عام 1983، ثم قام المؤلف بإعادة النظر فيه، وتجديد محتواه في الطبعات التالية التي كان آخرها عام 2012 ، إذ غطت الفترة المدروسة، الفترة الممتدة من عام 1896 إلى العام 2004.

والملاحظة الأولى التي يؤكد عليها المؤلف، حول السينما المكسيكية، مفادها أن هذه السينما، ومنذ بداياتها الأولى في تسعينات القرن التاسع عشر ،وحتى عصرها الذهبي منذ عقد ثلاثينات القرن الماضي، العشرين، وحتى الستينات من القرن ذاته، كانت هي الأعظم والأهم في البلدان الناطقة باللغة الاسبانية.

والإشارة في هذا السياق، إلى أن الصناعة السينمائية في أوج ازدهارها توصلت إلى إنتاج مائة فيلم كمعدّل سنوي، وكانت تقوم بتصدير تلك الأفلام إلى كندا وبلدان أميركا اللاتينية، الناطقة باللغة الاسبانية والولايات المتحدة، وبقية أنحاء العالم. وبالتوازي مع الإنتاج السينمائي، ازدهرت في الفترة نفسها، صناعة الدوريات والصحف السينمائية في المكسيك. كما لاقت إقبالا جماهيريا، مثل : التحقيقات السينمائية ـ روبرتز، السينما العالمية- سيني مونديال.

وكذلك العديد من المجلات التي تقدم أخبار نجوم السينما. وصدرت مجلة "سيتيلانديا" في هوليود، باللغتين الاسبانية والانجليزية. وكان من أّهم المخرجين السينمائيين المكسيكيين، فرناندو دو فونتيس، والذي يعتبره المؤلف، أهم المخرجين في أميركا اللاتينية كلها، حتى اليوم.

يقدّم المؤلف في الكتاب، قراءة للمجتمع المكسيكي، كما ظهر عبر عدسات التصوير السينمائية. وكذلك يقوم بوضع الصناعة السينمائية المكسيكية، في سياق تطور الأمة المكسيكية، من خلال مشربين أساسيين: الاجتماعي- الاقتصادي، السياسي. وبهذا المعنى، يبدو العمل، وفي أحد مظاهره، بمثابة نوع من التأريخ الاجتماعي والثقافي للمكسيك، خلال القرن العشرين.

وبالإضافة إلى الكمّ الكبير من الأفلام السينمائية التي يحلل المؤلف مضامينها الاجتماعية والسياسية، يجري المؤلف عددا من المقابلات مع رموز الصناعة السينمائية المكسيكية، في مختلف المجالات.

ولا شك أن هذا الكتاب، هو قبل كل شيء، حصيلة مئات، بل آلاف الساعات، والتي أمضاها المؤلف في صالات العرض السينمائية، لمشاهدة الأفلام ولرصد سلوكيات المكسيكيين أمام الشاشات الكبيرة. ويعتبر المؤلف أن هذا الكتاب، يحاول تقديم السينما المكسيكية التجارية للأميركيين ولغيرهم من قراء اللغة الانجليزية، كما جاء في المقدمة.

العديد من الأفلام المكسيكية الأولى بدت متأثرة بالأفلام المنتجة في الولايات المتحدة، وخاصة ذات الثقافة الشعبية، إلى درجة أن المكسيك، تبدو أحيانا وكأنها تريد أن تقلّد أميركا في كل شيء، كما يشير المؤلف.

وذلك على الرغم من أن الثقافة الشعبية المكسيكية، والتاريخ المكسيكي كله، يؤكدان على مسائل النضال، وينظران إلى المكسيك كونها تشكل جزءا من العالم الثالث، بينما ينظر إلى الولايات المتحدة، على أنها ممثلة الإمبريالية والنزعات الاستعمارية الجديدة. وعلى أساس تلك النظرة، بدت السينما التجارية المكسيكية، غريبة أحيانا عن المكسيكيين، وبعيدة عن اهتماماتهم.

وكانت السينما المكسيكية إلى جانب السينما الأرجنتينية- قد سيطرت على الإنتاج السينمائي في أميركا اللاتينية، على مدى عدة عقود. ولا يتردد المؤلف في القول ان السينما المكسيكية، احتلّت موقعا يحاكي، من حيث الهيمنة الثقافية بالعلاقة مع العالم الناطق باللغة الاسبانية، موقع السينما الأميركية في العالم الناطق باللغة الانجليزية".

ويلفت إلى أن السينما المكسيكية احتلت لفترة طويلة، المرتبة الأولى، كسينما ناطقة بلغة أجنبية في الولايات المتحدة. وكان مشاهدو السينما المكسيكية في تلك البلاد، الأكثر عددا بين مشاهديها، بعد أميركا اللاتينية واسبانيا.

والسمة الأساسية لأسلوب كتابة العمل، تتمثل في كونه يرمي أولا، إلى توصيف السينما المكسيكية. وكذا الإشارة إلى أن الكتاب يحتوي على عدد كبير من الصور المأخوذة من الأفلام. بالإضافة إلى اللجوء لاستخدام التسلسل الزمني، إذ تربط الأفلام بسياقها التاريخي الخاص بالمكسيك وبثقافتها.

ويعيب المؤلف، باستمرار، على الأفلام المكسيكية، الإغراق في نزعتها التجارية. ويكتب في معرض المقارنة للتمييز بين المنتجين الأميركيين والمكسيكيين: "المنتجون في هوليود كانوا رجال أعمال تحوّلوا إلى سينمائيين، وقاموا باستثمار أرباحهم في مجال الصناعة السينمائية.

أما في المكسيك فكان المنتجون غالباً، رجال أعمال يبحثون عن ربح سريع، من دون اهتمام كبير، بإقامة صناعة سينمائية ثابتة الأركان. والمخرجون الذين كانوا يريدون إنجاز أفلام من نوعية جيدة، وجدوا أمامهم حاجز الكسب التجاري". وفي كل الحالات، يرى المؤلف أنه لم تنتج السينما المكسيكية، أفلاما ترقى إلى مستوى كتابات اوكتافيو باز، الشاعر المكسيكي العظيم.

ولكن المفارقة، كما يحدد المؤلف القول، تكمن في كون أن إغراق السينما المكسيكية بالنزعة التجارية، دفع إلى إنتاج أفلام تفتقر إلى العمق. وبالتالي أضاعت تلك السينما، قوة جذبها التجاري، وهذا ما يعتبره المؤلف: "صلب المشكلة".

 

المؤلف في سطور

 

كارل ج. مورا مؤلف هذا الكتاب، هو أخصائي بالسينما المكسيكية. يعمل أستاذا في قسم الإعلام بجامعة "مكسيكو الجديدة". ساهم بالعديد من المقالات حول السينما المكسيكية والاسبانية والأميركية والانكليزية في الدوريات العالمية المختصّة بالسينما عامة وبالسينما المكسيكية على وجه الخصوص.

 

الكتاب: السينما المكسيكية

تأملات حول

المجتمع

1896-2004

تأليف: كارل ج. مورا

الناشر: مكفالاند

نيويورك 2012

الصفحات: 335 صفحة

القطع : المتوسط

Mexican cinema

Carl J. Mora

McFarland- New York - 2012

335 .P