يستهل كتاب "القدس والمسجد الأقصى المبارك"، لمؤلفه الدكتور حسن موسى، موضوعاته بالإشارة الى الأهمية الحيوية، تاريخيا وجغرافيا ودينيا، لمدينة القدس، والتي يوضح انها من أقدم مدن العالم، ملمحا إلى أن المصادر التاريخية، تجمع على أن اليبوسين هم بناتها وأول من سكنها. واليبوسون هؤلاء، فرع من الكنعانيين الذين حكموا سوريا الجنوبية، التي عرفت باسم فلسطين، في الألف الثالث قبل الميلاد.. حتى انها كانت تسمى في فترة حكم اليونان والرومان: "إيلياء"، أي "بيت الله"، واستقر الأمر على تسمية "القدس"، منذ الفتح العربي الإسلامي.

ويؤكد موسى على أن المسلمين اهتموا بالقدس وأجلوها وجملوها، فشهدت على أيديهم، نهضة عمرانية إسلامية، وكانت للأمويين جهود مميّزة وعناية كبيرة في هذا الخضم، فانتشرت فيها المدارس العلمية، وعمّها الوئام الروحي. كما بني فيها مسجد قبة الصخرة والمسجد الأقصى، خلال عهد عبد الملك بن مروان (685 ـ 705 م)، وفي أيام ابنه الوليد (705 ـ 715 م).

ويلفت موسى الى ان ذاك الاهتمام بمدينة القدس والمسجد الأقصى، كان واضحا وكبيرا، في جميع العهود الإسلامية، والمراحل التاريخية بهذا الإطار، وذلك من قبل جميع الخلفاء، وكانت أعمال التجديد والترميم والزيادات في البناء، فيهما، دائمة ومستمرة.

وكانت قوافل الحجاج تتوالى إلى القدس، متدفقة وحاشدة، تضم كل الأديان، حيث كانت تسود أجواء التسامح والحريّة الدينية. كما ارتفعت مجموعة متنوّعة من المباني والمؤسسات في القدس (مساجد ومدارس ودور للقرآن والحديث .. وزوايا ومقامات وسُبل وتكايا)، كما شيدت أضرحة ومزارات، وألحق بكل هذه المؤسسات نظام للأوقاف، يشمل ريعه قرى بأكملها.

وينتقل مؤلف الكتاب إلى الحديث عن ميزات المسجد الأقصى، شارحا انه من المساجد العجيبة الرائعة، إذ يقال إنه ليس على وجه الأرض مسجد أكبر منه. ويوجد للمسجد أبواب كثيرة في جهاته الثلاث، وهو مسقوف، ومموّه بالذهب والأصبغة الرائعة. كما ان قبة الصخرة هي من أعجب المباني وأتقنها وأغربها شكلاً، وهي قائمة في وسط المسجد.

ويصعد إليها عبر درج رخام، ولها أربعة أبواب، ودائرها مفروش بالرخام أيضاً، وهو محكم الصنعة. وكذلك فإن داخلها وظاهرها وباطنها، جميعها تبلغ من مستوى إتقان الصنعة ما يعجز الواصف عنه، وأكثر ذلك مطلي بالذهب، وكذا تتلألأ نوراً وتلمع لمعان البرق، ويحار بصر متأملها في محاسنها، ويقتصر لسان رائيها عن تمثيلها. وهناك في الوسط، القبة الصخرية الكريمة.

ويبين موسى أن القدس ازدهرت في أيام المماليك، بشكل لافت. ونشطت فيها الحركة العلمية، فانتشرت المدارس والقباب والمصاطب التعليمية في كل مكان، إذ أحب المماليك القدس وجمّلوها واولوها رعاية مميزة، ومعظم معالمها الباقية حتى اليوم، هي من آثارهم وأعمالهم. ومن ثم، في عام 1517 م، انتقلت القدس إلى عهدة العثمانيين.

والذين اعتنوا بها بدورهم، ورمموا معالمها، خاصة في عهد السلطان سليمان القانوني، الذي حدّثها وجدّد بعض أبوابها ورمم الكثير من أسوارها، وأيضا أزال الفسيفساء عن الجزء الخارجي لقبة الصخرة، واستبدل بها البلاط القاشاني الأزرق الذي لا يزال حتى اليوم.

وفي عهد آخر سلاطين بني عثمان، ازدادت محاولات اليهود للاستئثار بفلسطين والهجرة إليها وعمليات شراء الأراضي وإنشاء المستوطنات فيها، وبالرغم من محاولات الرفض من قبل السلطان عبد الحميد، إلا أن اليهود نجحوا، وبأساليب ملتوية، في وضع اليد على مساحات شاسعة من الأراضي في القدس، فجعلوها سكناً لأبناء جلدتهم.

ويتطرق المؤلف هنا إلى حقائق تاريخية، يكشف عنها الباحث نجيب عازوري، في كتابه "يقظة الأمة العربية"، الصادر بالفرنسية عام 1905 .

ويوضح موسى أنه سيطر الإسرائيليون على أربع قرى، أصبحت في ما بعد، جزءاً من القدس الغربية، وهي: لفتا (وفوقها يقع مبنى الكنيست وفندق الهلتون)، دير ياسين (حوّلت إلى منطقة صناعية)، عين كارم (يقع فوقها مستشفى ونصب "ياد فشيم" لتخليد ضحايا المحرقة المزعومة)، المالحة (أقيمت فوقها المباني السكنية). كما استولت إسرائيل على 20 ألف شقة سكنية مؤثثة في القدس الغربية، فوزعتها على المستوطنين، غداة احتلالها للمدينة عام 1967.

 

 

 

 

 

الكتاب: القدس والمسجد الأقصى المبارك

تأليف: حسن موسى

الناشر: باحث للدراسات بيروت 2011

الصفحات: 208 صفحات

القطع: الكبير