يستعيد كتاب "أطلال أم كلثوم والعصابة"، للقاص فيصل خرتش، جملة قضايا وأحداث مفصلية، أثرت في حياة الأفراد والوطن، في سيرورة سرد متكامل غني بالمفردات الفنية.
ونجد خرتش يستحضر في القصة الأولى:" أطلال أم كلثوم"، لحظة النكسة إذاً تتوهج هنا كزمن معني بقوة بمكانه، لا العابر، بل الراسخ في الجذور والأعماق المستلبة، اللحظة المكانية هنا ستعيدنا ثانية أيضاً إلى القاع الخاص بالكاتب، قاع الأطراف المهمشة والمنهكة، وهي تقف على حافة هذا التداخل العصي بين الريف والمدينة، هذا الذي ظل يزداد استعصاءً وتنافراً باستمرار.
يقودنا المؤلف في كتابه إلى القاع الذي ظلت تتناسل منه شخصيات شديدة الحضور، بما هي مشاعر وعلاقات متصادمة ومأزومة، وهذا النحو ينشد في نهاية المطاف خلاص الروح المصعوقة، المقاومة لا المهادنة والمستسلمة، والحاضرة لا الغائبة، (الراوي ، فائزة ، الأب). وتعرف على واقع أنه هناك من يعيش في تلك اللحظة حالة النهاية، حالة الكف عن أي صدام أو سؤال: (الأم، الجدتان، الأخوات).
ويبدأ الحدث في القصة من لحظة انتصار، أو شعور ما بالتجاوز، حيث البطل يقف على مشارف عمر يمتد طويلاً خلفه في الذاكرة. ونقرأ في القة: " ها أنا أجلس في السيارة، وأطل على الجامعة التي أعمل فيها، بيت وسيارة، ولقب علمي، لقد تعبت حتى صار كل ذلك لي..
أوقفت السيارة على يمين الطريق ورحت أتذكر". وعندما نبحر في لجاجة تساؤلاتنا عن: لماذا (أطلال أم كلثوم)، سيكون بمقدورنا مع هذه القصة، تبين منطلق بداية الحكاية، فأم كلثوم عنوان مرحلة، وآهات جيل أو أجيال، توق أمة، وتفاصيل تنهداتها التي تندغم تماماً بتفاصيل الحدث وجزئياته ولحظاته الأكثر سخونة، إنها حكايات تنضج معه، تأخذ منه ويأخذ منها، يتبادلان الدلالات، الغبطات والمسرات، الخيبات والأحزان.
وينقلنا خرتش في كتابه، إلى محطات عديدة، مروراً بمختلف الأحداث التي عايشها الطفل ثم الشاب وتفتح مشاعر الحب في نفس مراهق، إذ سرعان ما ينفتح معها على مرويات ساخنة من حرب يونيو، ومرويات عجيبة تتداخل بعناصر من الماضي التاريخي العربي، تحيا في الحاضر بكل يسر عندما تستمد حضورها من انسجامها الواقعي بأحداث الحاضر.
ويسطر المؤلف انطباعات كثيرة، يجعلها تبدو كهذيان، والنتيجة التي تتبدى لنا انه يستطيع عبر هذا الهذيان السردي المتواصل، أن يخلق الحالة الروائية، وأن يصنع المزاج الخاص للعمل، بنكهته الفريدة، عبر قدرته الهائلة على التخييل ودمج مكوناته وعناصره وجمالياته، بما يعزز صورة نموذجية لقص عربي، له خصوصيته المعتمدة على كنز يصخب بالموجودات الإنسانية، الفاعلة والمؤثرة في الحاضر.
وأما القصة الثانية: "العصابة"، فنجد انها تمثل نقلة هامة في أعمال خرتش، ففيها يغادر عالمه الأثير، عالم القاع الاجتماعي الفريد الذي عرف به، إلى ما يمكن تسميته بالقاع الرسمي: قاع النخبة المتخمة، والأوساط المخملية والفئات الأكثر تسلطاً وضلوعاً في كل شيء، الوالغة في حياة الوطن والمواطن. ويطالعنا التصوير السردي بداية، بمشهد يعد فيه القصر، بداية، لحفلة عجيبة، حافلة بكل ما في الدنيا من بذخ، ذلك في وقت تحاك فيه "مؤامرة" ضد القصر وسيده وتمثاله.
وينسج المؤلف أطراف المؤامرة من عناصر خارجية وداخلية تتكون من فتات القصر أو من ما خلّفه حكام الفترة تلك، من جنايات هي على شكل أفراد يقودون الثورة. وهنا يصوغ المؤلف، كما هو متوقع، عالماً افتراضياً من فانتازيا تعج بالمفارقات وبالتهكم اللاذع والسخرية، فهو يهز مجموع ما ترسخ في القاع الرسمي وحتى الشعبي، من ثوابت كرستها فترات حكم القمع والعسكر والسجون والتعذيب والقتل، ليصار إلى إنتاج البديل وكبحه ومن ثم قمعه، وذلك في حركة دائرية تتواصل فيها سيرة الانهيار الاجتماعي والإنساني لأبناء هذا المكان والزمان، اللذين يعنيهما خرتش في روايته.
ويكوّن المؤلف في "العصابة" ملامح ما يجري في أيام ما يسمى بالربيع العربي، عبر حبكة متقنة يقوم السرد فيها، على التداعي الحر، والمزج الموفق ما بين الأفكار والرؤى والأحلام والتمنيات، إنه خليط جارف من تفاصيل الواقع الصادمة والصادقة والمؤثرة، تتدفق عبر نهر السرد الدافق لتصوغ هذه النكهة الحريفة والمريرة، تسخر وتغضب وتقول كل شيء لا للضحك وتزجية الفراغ، بل للثورة والرفض.
الكتاب: أطلال أم كلثوم والعصابة قصتان
تأليف: فيصل خرتش
الناشر: وزارة الثقافة الهيئة العامّة السورية للكتاب دمشق 2012
الصفحات: 240 صفحة
القطع: المتوسط