يحلل كتاب «أطياف الأيديولوجيا المعاصرة - دراسات نقدية في الفكر والسياسة» لمؤلفه جاد الكريم الجباعي، مجموعة مهمة من أطياف الرؤى الفكرية في المجتمعات العربية، ويقارن في هذا الخصوص، بين أفكار وأطروحات العديد من المفكرين، منهم: الياس مرقص، قسطنطين زريق، بوعلي ياسين، ياسين الحافظ، العروي، ياسين الحاج صالح، صالح البشير.

ويعتني الجباعي بدقة، في مناقشة هؤلاء ومساجلتهم في مختلف القضايا السياسية والايديولوجيا المعاصرة، بغية تكوين موقف واضح حول بعض الأطروحات السياسية الكبرى، والكشف عن العيوب والأوهام التي تسيطر على قسم كبير من كتابات المثقفين العرب المعاصرين.

ويبدأ المؤلف كتابه بتحليل كتابات عبد الله العروي ليجد أنه أنتج نقده للايديولوجية العربية المعاصرة، بالطريقة نفسها التي نقد فيها ماركس الأيديولوجيا الألمانية، دون أن يقوم بما قام به ماركس نفسه من تخطي النقد الثقافي للثقافة . فالعروي انطلق من ما يقوله العرب عن أنفسهم بتأويل الفكر الغربي، وليس من فعاليتهم الواقعية والحية، فغدت مرجعية الفكر خارج المجتمع الذي أنتجه، إذ إنه ليس ثمة علاقة بين ذلك الفكر وممارسة المجتمع التي تعبر عنها الايديولوجيا السائدة.

كما يناقش الجباعي محاولات الياس مرقص في تأسيس العقلانية في الفكر العربي، وإعادة بناء الوعي العربي، والارتقاء به من حالة التأخر والفوات إلى مستوى العصر الحديث، ليخلص إلى نتيجة أن مشروع مرقص يقوم على ضرورة الاختيار، بين المذهب الوضعي الباطل والمذهب الجدلي الذي يمكننا من الكشف عن اللامعقول الذي يفتك بأمتنا، حتى يكاد يزهقها. فالعقلانية هي التي تدمج الفكر بالعمل، وتعلمنا نقد الكلام بدل حب الكلام وإعادة النظر في المبادئ، بدل الانطلاق منها. وهنا- وحسب المؤلف- يتبين لنا أن «الأنا» أساس «النحن»، وليس العكس.

وفي تحليله لإشكالية: القطري والقومي في الخطاب السياسي، يقترح الجباعي «المواطنة» كمخرج للالتباسات التي تثيرها الوطنية المعتقدية، والقومية المعتقدية، واللتان تتضخمان مع النحن، وتتحولان إلى نوع من العقائدية الشمولية، لتجعلان من كل حرية خيانة يعاقب عليها القانون، ذلك أن المواطنة رابطة حديثة ذات محتوى سياسي وثقافي وأخلاقي، تكفل المساواة وحرية التعبير للمجتمع.

ولذلك نجد المؤلف يشن هجوماً على الأحزاب القومية التي احتكرت السلطة لنفسها، وفصَّلت الدولة على مقاسها، حتى ان الملاحظ لا يبذل جهدا للتأكد من التناقض الفاضح بين تلك الأحزاب وسلوكياتها على ارض السياسة والممارسة، سيما وأنها أحزاب أصبحت عنوانا للانغلاق على الذات والتبعية للخارج.

ولعل هذا ما دفع بالمؤلف إلى إرجاع الاخفاق العربي إلى تعثر بناء الدولة الوطنية، ولذلك نجد المؤلف يفضح محاولات عرقلة مشروع بناء الدولة الوطنية في أي بلد عربي، باسم الوحدة العربية، أو تحرير فلسطين، أو باسم مواجهة الأخطار الخارجية، أو اقامة الدولة الإسلامية، لأن مثل تلك المحاولات هي التي تتحمل مسؤولية التأخر أو الفساد الذي يعاني منه المجتمع العربي، وكذا الاختراق الاستعماري اليوم.

ويناقش المؤلف أثر الاستبداد في الاخلاق، ليجد أن الاستبداد يمسخ ماهية الانسان، ويمزق روابط الاجتماع، فأسير الاستبداد لا أخلاقي في حياته، لأن الاستبداد والفوضى توأمان، والحياة في ظل الاستبداد محكومة بالاعتباط والخوف وانتهاز الفرص السانحة، ولو على حساب الأقربين. إذ يستشهد الجباعي بتوضيح الكواكبي حول نقطة أن الاستبداد يرغم أخيار الناس على ألفة الرياء والنفاق، ويجعل من أعمال الأشرار مستورة برداء خوف الناس من الشهادة على الشر.

وفي مناقشة للعلاقة بين الدين والسياسة، ينتقد المؤلف دعوة ياسين الحاج صالح إلى توحيد السلطة الدينية وتأسيسها، مشيراً إلى أن ذلك يسهل عملية الدمقرطة، ويساعد مجتمعاتنا على التشكل والتوازن. وحجة الجباعي في ذلك أن سلطة سياسة تستمد مشروعيتها من الدين، تتحول إلى مجرد سلطة تسعى إلى إخضاع واستتباع شعوبها، وعلى ذلك فإن وضع العلمانية في الغرب ليس مختلفاً كثيراً عنه في العالم الإسلامي، لأن مشكلة تديين السياسة في الغرب مشابهة لمشكلة تسييس الدين عندنا.

وينهي المؤلف كتابه بالدعوة إلى دور مميز للمثقف، عليه أن يقوم به، فالمثقف اليوم مدعو إلى أن يساهم في تحرير المجتمع من هيمنة السلطات المستبدة، سياسية كانت أم دينية أم أيديولوجية. وكذلك على المثقفين، طبقا للجباعي، العمل على تحرير الثقافة من السياسة. إذ لديهم الأدوات الثقافية التي تمكنهم من تحرير الأحياء من قبضة الأموات، أو تحرير الحاضر من أوهام الماضي. ومن ثم كشف الآليات الخفية للاستبداد.

 

 

 

 

الكتاب: أطياف الايديولوجيا العربية - دراسات نقدية في الفكر والسياسة

تأليف: جاد الكريم الجباعي

الناشر: النايا للدراسات والنشر والتوزيع - دمشق 2011

الصفحات:236صفحة

القطع: الكبير