يتضمن كتاب "28 حرف"، لمؤلفه، الفنان أحمد حلمي مجموعة مقالات له، نُشرت بين عامي 2009، 2010؛ يلخص فيها الكثير من الجوانب الفلسفية في حياته؛ ففي مقال بعنوان: "أنا واخويا وميكي ماوس"، يسترجع حلمي في ذكرياته أفضال عدد من الأشخاص عليه، ومنهم الفنان نور الشريف الذي علّمه أهمية القراءة في بداية حياته عندما قال له: "لو بتحب التمثيل لازم تقرأ، وخصوصا لنجيب محفوظ ...". وكذلك دور الإعلامية ثناء منصور التي علمته، كما يقول، "الحفاظ على النجاح". ويذكر المؤلف- الفنان،
أيضاً، ما قدمه له من دروس توجيهات، الفنان عادل إمام، والذي علّمه "قوة الرفض"، طبقا لما يشير اليه، عندما قال له: "ما أصعب أن تقول لا، وأنت في أشد الحاجة الى قول نعم". ويستعرض حلمي في هذا الصدد، أهمية ما قدمه اليه، عدد من المبرزين، مثل: المخرج يسري نصر الله الذي رسخ لديه هاجس البحث دائما عن الحقيقي في داخله.
وتحت عنوان "جرس الفسحة"، كتب حلمي عن تعرّضه لصدمة أخلاقية عنيفة بعد قراءته خبرا، بالصدفة، في إحدى الصحف المصرية، مفاده: "مدرس في إحدى المدارس الابتدائيــة يمسك طالبا واضعا يده خلف ظهـــره، ويجعل زميلاته الطالبات في الفصل يصفعنه بالقلم على وجهه". ويتمنى حلمي في مقاله، أن يكون هذا المدرس عدوا إسرائيليــا، ليسبق هو نفسه، جميع المصريين في قتله، وليكون سعيدا بقتله له.. ويصبح بطلا، أو أن يقتل المدرس حلمي، فيصبـــح الأخير شهيدا.
ويروي الفنان المصري، في كتابه، أن مدرسا سأله ذات مرة، ضمن الفصل الدراسي، عن مسألة ما، ولكنه لم يعرف إجابة السؤال، فغضب المدرس، وركل "التختة" التي كان حلمي يجلس عليها، ووقتها شعر حلمي بإحراج وخجــل مرير أمام التلاميذ، وتمنى أن يموت ويدفن في "التختة" نفسها، ويشير إلى أنه لم ينسَ حتى اليـــوم، نحافة المدرس ولا لون بدلتـــه (الرمادية المقلمــة) ولا اسمـــه: (يحيى).. ولا مادته (الأحياء).. ولا ترتيب الحصة في اليوم الدراسي (الحصة الرابعـــة)، ولا موقع اليوم من الأسبوع (الثلاثاء).. لم ينسَ وقـــد مرّ على ذلك أكثر من ربع قرن!! فمـــا حال الطالـــب الطفــــل، كما يلفت حلمي في كتابه، الذي تعـــرّض لهذا الموقف؟!
ويسرد الكاتب- الفنان، تفاصيل علاقته الإنسانية مع الممثل محمـــود الفيشـــاوي الذي قام بـــدور والده في فيلم "ألف مبروك"، فيقول عنه: "صديقي الكبير.. هذا الأسمـــر الطويل النحيل المرح الضاحك الراحل.
رحل قبل أن يكبر حلمه. قابلته أول مرة بشوشا مرحا يحب الناس والحياة، وقابلتـــه آخر مــرة فرأيته أكثر مرحا وحبا للحياة.. ولا أعرف لماذا قال لي: لا تجعل شيئا يضايقـــك؛ إن الحياة لا تستاهل. وأعطاني برطمانا من العسل الأبيض ورحل.. وكان هذا آخر يـــوم رأيته وسمعت صوته، وفي اليوم التالي فتحت تليفوني فوصلتني رسالة منه كان قد أرسلها قبل اليوم الـــذي رأيته بيوم واحد.. قرأت الرسالة فوجدتها كالآتي:
(عزيزي أستاذ أحمد.. أنا جايلك بكرة التصوير، وجايبلك معايا برطمان عسل أبيض؛ لأن أكيد البرطمان إلي عندك زمانه خلص)".
ويضيف حلمي، هنا: " هذا الإنسان لم أكتب عنه لأنه ممثل مشهور، لكنه كان إنسانا مشهورا بابتسامته، لامعا بحبه للآخرين، مرموقا بطيبته، مثابرا في صبره على حلمه".
ويحمل حلمـــي بعنف على واقــع التعليـــم في مصر، حيث صادف أن شاهد فيديو عن زيارة وزير التربية والتعليم في مصر، إلى إحدى المدارس بشكل مفاجئ، وما وجده من فوضى كان لا حد لها.. ويعبر حلمي عن أسفه حيال هذا الوضع: "مش للدرجة دي المبالغة.. كانت هذه الجملة التي كنت سأقولها إذا كنت شاهدتُ هذا المشهد في أحد مشاهد الأفـــلام. ولكـن مـــع الأســف لم يكن مشهدا في فيلم، ولكنه كان في مدرسة مصرية حكومية لا تحتاج إلى وزير تربيـــة وتعليـــم.. بل لوزيــــر تنقية وتقليم.. ينتقي الأخطـــاء وبدافـــع الخوف والقلق على جيل قادم لا بد أن يقلمهـــا.. فلتُنتـــق وتُقلم".
الكتاب: 28 حرف
تأليف: أحمد حلمي
الناشر: دار الشروق- القاهرة- 2012
الصفحات: 158 صفحة
القطع: المتوسط