في عام 2002 صدر لعالم الاجتماع الفرنسي كريستيان موريل، كتاب تحت عنوان "القرارات العبثية"، بحث فيه سوسيولوجية الأخطاء العميقة والمستمرّة، كما جاء في عنوانه الفرعي. واليوم يصدر له كتاب جديد، تحت عنوان "القرارات المستمرّة"، ولكن يبحث فيه كيفية تجنبها (القرارات من ذلك النوع).
كما يقول العنوان الفرعي للكتاب الجديد. من الشائع أن يتخذ الأفراد جماعيا قرارات عبثية، تذهب عامّة في الاتجاه المعاكس تماما للهدف الذي كان قد جرى اتخاذها بغرض تحقيقه. والخطورة الكبرى لمثل هذه القرارات العبثية تكمن في الأخطاء الفادحة التي قد تترتب عليها. وهكذا مثلا قد يتخذ قباطنة طائرة، قرارا يرمي إلى تجنبّهم الكارثة، فيشرعون في تنفيذ حل يقودهم شيئا فشيئا إليها.
إن كريستيان موريل يحلل في هذا الكتاب، أنماط المحاكمات العقلية التي تؤدي إلى اتخاذ قرارات عبثية، مؤكّدا في النتيجة النهائية، أنه لا يتم اتخاذها بالصدفة. بل يؤكد أن عوامل عديدة تجتمع وتؤدّي إلى اتخاذ مثل تلك القرارات. وفي مقدمة هذه العوامل الخطأ في المحاكمة العقلية وغياب الهدف المنشود من دائرة الاهتمام والتواصل السيء بين الأفراد المسؤولين عن المشروع.
ويشرح المؤلف أن القرارات العبثية تكون أحيانا ذات خطورة كبيرة في ما يتعلّق بالنتائج المترتبة عليها. ويرى المؤلف أن سلسلة من الأسباب والنتائج تتالى بصورة لا يتنبّه اليها أحد من الأفراد الذين تُطرح المسألة عليهم؛ ولكن حالة من سوء التفاهم تسود. إن أولئك الذين اعترضوا قد يعتقدون أنه جرى الأخذ باعتراضهم وقد لا يتجرؤون على تكرار اعتراضهم أمام سلطة أعلى.
وهكذا يتكرّس القرار غير الصائب. يشير المؤلف الى أن جميع حوادث السفن في البحار والمحيطات تنتج عن مناورات كانت ترمي إلى تجنّبها؛ وعندما تسقط طائرة يكون قباطنتها قد اتخذوا قرارات خاطئة أرادوا منها نجاتها ونجاتهم. ويفتح المؤلف هنا قوسين كي يشير الى أن النقص في تبادل المعلومات والخبرة يكون سببا رئيسيا في أغلب الأحيان بوقوع مثل تلك الحوادث.
ويؤكّد المؤلف أن مهندسي السفينة الفضائية "تشالنجر" كانوا يدركون عند إطلاقها في عام 1986، أن العوازل المكرّسة لمقاومة درجات الحرارة المنخفضة جدا، تعاني من بعض الضعف. ولكن ساد آنذاك، الوهم الجماعي، بأن فلوريدا، موقع إطلاق السفينة، منطقة حارّة وبني القرار على ذلك الأساس، ولم يتم التفكير في أن البرودة في الأجواء العليا حتى فوق فلوريدا، شديدة جدا.
ويتعرّض المؤلف على مدى العديد من الصفحات لنقطة كيف أن الثقة المطلقة بالعلم، في التكنولوجيات العليا ليست منتجة. وهو يعيد ذلك إلى سبب بسيط، ينبغي أن لا يغيب عن النظر، ويكمن في كون أن العالم والطبيعة والحياة أبعد من كل الحدود، مثلها في ذلك مثل السلوك الإنساني.
ويؤكد المؤلف على حقيقة أن الإفراط بالثقة في العلم وبالمحاكمات العقلانية الناجمة عنه، قضايا تبدو مصدر خطأ كبير، ربما تترتب عليه نتائج خطيرة، بسبب القرارات العبثية التي قد يتم اتخاذها. والمثال الذي يردده المؤلف يتعلق بعالم الطيران.
ففي حالة الهبوط أثناء أجواء تنذر بإمكانية الانزلاق بسبب الأمطار أو الثلوج أو دفع الرياح، يحدد العلم مسبقا وبصورة دقيقة جدا، آليات عمل جميع هذه العوامل ولكن هذه تتغيّر بسرعة كبيرة، بحيث قد لا يمكن إبلاغ قبطان الطائرة وفريقه بالمعطيات الجديدة لحظة الهبوط. وهذا خطير جدا .
حيث ان تراكم ربع ميليمتر من المياه على أرض المطار يتطلّب زيادة مسافة سير الطائرة على المدرج بنصف كيلومتر. والترجمة الممكنة لمثل هذا الفرق يمكن أن تكون خروج الطائرة منه، وتعريضها وتعريض ركابها إلى أخطار كبيرة. والأمر نفسه يحتمل أن يتكرر في حدوث الانهيارات الثلجية في الجبال، عند ممارسة رياضة التزلّج، وفي حالات كثيرة أخرى، بسبب اتخاذ قرارات عبثية خاطئة.
فكيف يمكن تجنّب مثل هذه القرارات؟
الإجابة على هذا السؤال، تشكل أحد المحاور الأساسية في الكتاب. والملاحظة الأساسية الأولى التي يقدمها المؤلف، تكمن في التأكيد على أهمية ما يجمله، تحت عنوان "العلوم الإنسانية"، وذلك مثل علم الاجتماع وعلم النفس والعوامل الإنسانية وآراء البشر العاديين، ويرى أن جميعها مشارب ينبغي عدم إهماله.
ويؤكّد المؤلف في هذا السياق، على أهمية استقاء الدروس من ممارسات الجيوش، ونقلها إلى النشاطات المدنية. ففي الغواصات النووية، يتم التخلّي عن درجة كبيرة من التراتبية العسكرية ويقوم الضباط بجميع الأعمال مثل الجنود لأن الأمور تتعلّق بسلامة الجميع وأمنهم.
وينبّه المؤلف من كثرة عدد أفراد المجموعات المكلّفة باتخاذ القرارات.
وبناء على مختلف التحليلات يصل المؤلف إلى القول ان قادة المستقبل سيكونون ممن يمتلكون ملكة التوفيق بين الآراء من توفير جماعية القرارات.
الكتاب: القرارات العبثية، كيف نتجنّبها؟
تأليف: كريستيان موريل
الناشر: غاليمار- باربيس ــ 2012
الصفحات: 379 صفحة
القطع: المتوسط
Les decisions absurdes
Christian Morel
Gallimard
Paris - 2012
p. 379