عرفت القارة الإفريقية، الكثير من أشكال القمع والنهب والسلب والاستعمار، على مدى تاريخها. وكان المؤرخ والأستاذ الجامعي البريطاني ريشارد ج. ريد، قد كرّس العديد من أعماله لهذه القارة ولتاريخها السياسي والاقتصادي والاجتماعي. وهو يركّز جهوده في عمله الأخير، على دور "الحرب في التاريخ الإفريقي"، كما يقول عنوانه.
تتوزع مواد الكتاب في خمسة فصول، تدل عناوينها على مضمونه. وجاءت كالتالي: "دوائر العنف: الوسط المحيط والاقتصاد والسياسة في الحرب بإفريقيا"، "الأسلحة في إفريقيا منذ العصور القديمة: أنماط الحرب ومنظوماتها، وحتى بداية الألفية الثانية"، "الأسس العسكرية للدولة والمجتمع في إفريقيا"، "تحولات أشكال العنف"، "الثروات غير المكتملة: ما هو قديم وما هو جديد في الحقبة الحديثة".
وعبر هذه الفصول، يناقش المؤلف دور الحرب في آليات قيام الدولة والمجتمع والاقتصاد في القارة الإفريقية. ويتمثل أحد الخطوط الناظمة في تحليلات الكتاب، بمحاولة التقصّي عن المراحل والمنعطفات الأساسية في تطور شكل المنظومة العسكرية، وفي أنواع الأسلحة والتكتيك والاستراتيجيات في أشكال النظم السياسية والاقتصادية.
ويتوقف المؤلف طويلا، أمام المنعطف المهم الذي مثلته تجارة العبيد، بالنسبة للقارة الإفريقية، والتي يعدها أحد أشكال الحرب التي عانت منها. ويرى أنه اعتبارا من القرن التاسع عشر، بدأت تتخمّر في القارة، ثروات عسكرية، غطت عمليا جميع أرجائها. وبالتأكيد، كان لها آثارها الكبيرة في مواجهة السيطرة الاستعمارية، ولا تزال هذه الآثار فاعلة، حتى الوقت الراهن.
ويجد ريشارد ريد، أن القارة الإفريقية شهدت نزاعات وعدة حروب عنيفة، خلال القرنين التاسع عشر والعشرين. وقد تركزت تلك الحروب خاصة، في بلدان شمال القارة، امتدادا إلى الهضاب العليا الاريترية، وكذلك إلى السهول الواقعة بين شواطئ البحر الأحمر لاريتريا الحديثة والمناطق الحدودية في جنوب وشرق اثيوبيا الحالية.
ويشير المؤلف الى أن المناطق الواقعة على طرفي الحدود السودانية والصومالية، عرفت هي الأخرى نزاعات شبه مستمرة، على خلفية الانتماءات الاثنية والدينية. وفي المحصلة ساهمت الحروب كثيرا، في بناء المنظومات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في إفريقيا، منذ بداية القرن التاسع عشر.
ويؤكد المؤلف، أن المناطق الحدودية بين مختلف الدول الإفريقية، كانت بمثابة البؤر التي انطلقت منها الحروب عامة، وهو يتحدث في هذا السياق عن شبكة من المناطق الحدودية، هي كانت مصدرا للعنف، ولكن كان لها بعد آخر. وذلك من خلال مساهمتها في خلق ثقافات عسكرية- سياسية.
وجدت جذورها في موجة العنف التي عرفها القرن التاسع عشر، أي بالتزامن مع بروز الحقبة الاستعمارية. ثم امتدت تلك الجذور، لتؤسس في العقود التي أعقبت نهايات الاستعمار، منذ خمسينات القرن الماضي، العشرين، الى الأنظمة الاستبدادية الحاكمة في العديد من البلدان الإفريقية. إن أحد الأهداف الرئيسية التي يبدو بوضوح أن ريشارد ريد، يسعى إليها عبر تحليلات كتابه، يتمثل في شرح كون الحروب والنزاعات التي تشهدها القارة الإفريقية اليوم، تتطلب في فهمها التبصّر بالتاريخ الإفريقي، منذ القديم حتى اليوم. ويرى أن مكانة الحرب في التاريخ الإفريقي، سهلة القراءة.
ومن خلال الكشف عن القدرة الكبيرة في تحويل المجتمعات أو في تدميرها، على مدى فترة زمنية طويلة، وفي مجال جغرافي واسع شاسع، مثل القارة الإفريقية. وبهذا المعنى، يرى أن التاريخ الإفريقي، وعلى غرار التاريخ العالمي، كتبت سطوره الأساسية بواسطة العنف.
وعبر دور الحرب في التاريخ الإفريقي، يقوم المؤلف بنوع من إعادة النظر بالطريقة السائدة، حتى الآن، في الفكر الغربي حول التاريخ الاجتماعي والثقافي والعسكري الإفريقي. ويفتح في الوقت نفسه، سبيلا لفهم الواقع الإفريقي، منذ القديم وحتى اليوم، في إطار التاريخ العسكري العالمي كله.
ولم يتردد المؤلف في شرح الحرب في إفريقيا، ضمن سياقاتها الاجتماعية والبيئية، بل إنه يقوم بربطها مع مسألة تكوّن الدولة، بالمعنى الحديث للكلمة، ومع تجارة العبيد التي كانت القارة الإفريقية ضحيتها الأولى والرئيسية، ومع الحقبة الاستعمارية، وما تركته من آثار، وما خلفته من تقسيمات، على أسس تخدم مصالح القوى الاستعمارية وليس مصالح الشعوب الإفريقية.
ويؤكد المؤلف أن الإرث الاستعماري يمثل أحد الأسباب الرئيسية في السلسلة الطويلة من الحروب الأهلية التي تشهدها بلدان إفريقية عديدة حتى اليوم، كما شهدتها في ماضيها القريب.
ويتقرح الكتاب، قراءة جديدة للتاريخ الإفريقي عامة، ولأريتريا وأثيوبيا خاصة، قراءة يشكل فهم دور الجيوش والحروب فيها مفتاح فهم واقع "الزوابع" الذي تعيشه إفريقيا اليوم.
الكتاب: الحرب في التاريخ الإفريقي
تأليف: ريشارد ج. ريد
الناشر: جامعة كمبردج- 2012
الصفحات: 212 صفحة
القطع: المتوسط
Warfare in African history
Richard J. Reid
Cambridge University Press- 2012
212 .p