إن الكاتب الفرنسي جلبرت غروليت، يكرّس كتابه الأخير للحديث عن أولئك الذين أرادوا الذهاب إلى مناطق واقعة على حدود العالم، كما يقول عنوانه. وهؤلاء يجملهم بأنهم أولئك الذين أرادوا رؤية ماذا يوجد في الجانب الآخر من الجبل ومن المحيط.
ويبدأ المؤلف بالإشارة إلى أن المرجع الأساسي الذي اعتمد عليه في توصيف مغامرات الرحالة والمكتشفين، تمثّل في المجلة الشهيرة التي تحمل عنوان "جولة حول العالم" تور دو موند- التي احتفظ بأعدادها، الصادرة بين عام 1860 وعام 1914، أي حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى
. وتجري الإشارة أيضاً، إلى أن أولئك الذين كانوا يختارون طريق الترحال بحثاً عن الاكتشاف، كانوا على الأغلب موضع ازدراء الآخرين (الأكثرية)، الذين آثروا البقاء حيث هم. ويؤكد المؤلف أنه كان يتم النظر، عام 1860، إلى المسافر نحو البعيد، على أنه كائن يستحق الشفقة الكبيرة، لأنه ينفصل عن كل ما يصنع جمال الحياة، أي الأسرة وسقف الآباء وبلاد الأجداد.
العنوان الفرعي للكتاب "قصة آخر المكتشفين الكبار"، له دلالته العميقة على مضمونه. وهو يقدّم هؤلاء على أنهم أبطال حقيقيون، كما تدلّ وقائع الملاحم التي عاشوها في أدغال إفريقيا، بحثا عن منابع نهر النيل أو في القطب الجنوبي الذي وصل إليها المكتشف النرويجي اموندسن في شهر ديسمبر من عام 1911.
ويرى المؤلف أن ذلك الوصول كان بمثابة مرحلة أخيرة في اكتشاف الإنسان للعالم، على أساس أنه الاكتشاف الأخير في سلسلة من الاكتشافات، بدأت قبل ذلك بنصف قرن من الزمن، مع اكتشاف البحيرة التي ينبع منها نهر النيل، والتي سميت ببحيرة فكتوريا، تيمنا باسم الملكة البريطانية آنذاك عام 1862- فكتوريا.
وهؤلاء الذين يضمهم المؤلف في خانة المكتشفين، تجاوزوا المقولات الأوروبية السائدة في عصرهم، القائلة بأن التاريخ يبدأ مع أوروبا وينتهي معها. ويروي كيف أن الصحافي الانجليزي ــ الأميركي هنري ستانلي، حاول في عام 1875 القيام بعبور نهر الكونغو، بغية الوصول إلى المحيط الأطلسي. واضطر مرات عديدة، إلى استخدام بندقيته من أجل شق طريقه.
ويكرّس المؤلف العديد من الصفحات للحديث عن المواجهة بين هذا المكتشف (ستانلي)، ومكتشف آخر فرنسي-إيطالي هو (برازا). وحصلت تلك المواجهة في الكونغو، ويؤكد المؤلف أن ستانلي لم يكن قاسياً فظاً، كما يتم وصفه غالباً، وكذلك لم يكن برازا، إنسانا مثاليا، كما يتم تقديمه أيضاً.
ويلقي المؤلف أضواء جديدة على العديد من الأحداث التي شهدتها الفترة المدروسة، والتي اعتبرها الكثير من المعلقين الأوروبيين، أنها كانت بمثابة فترة المواجهة مع المتوحشين والبرابرة. ولكن هذا لم يمنع بعض أولئك المكتشفين، مثل دافيد ليفنغستون، من إعلان رفضه المطلق لنظام الرق والعبودية، وتقديم توصيف فيه الكثير من الحيادية، حيال المجتمعات البدائية التي مر فيها، بالإضافة إلى توصيف بعض الزعماء المحليين بالقساة والدمويين في معاملتهم مع أبناء مجتمعاتهم.
ويشير المؤلف إلى أن أحد الأسئلة الكبرى التي ترددت بأشكال مختلفة لدى الشعوب التي قدم إليها الرحالة والمكتشفون، كان سؤال: ماذا اتيتم تفعلون هنا؟ الإجابات تعددت وتنوعت وتراوحت من القول ان هناك مهمة تحضيرية من قبل الأكثر مدنية، حيال من كانوا لا يزالون بعيدين عن أية حضارة، إلى القول الصريح، ان هناك هدفاً استعمارياً وراء ذلك، كما جاء على لسان الملك البلجيكي ليوبولد الثاني، والذي استعمرت بلاده الكونغو، طوال عقود.
ومن المسائل التي يؤكّد عليها المؤلف في كتابه، عملية النهب التي جرت ممارستها في أحيان كثيرة، من قبل بعض الأوروبيين، للثروات الأثرية والفنية للبلدان التي قدموا إليها. وذلك خاصة في منطقة الشرق الأوسط.
ومن الأفكار التي يؤكد عليها المؤلف في كتابه، عملية النهب التي جرت ممارستها في أحيان كثيرة، من قبل بعض الأوروبيين، للثروات الأثرية والفنية للبلدان التي قدموا إليها. ذلك خاصة في منطقة الشرق الأوسط.
ويؤكد المؤلف على أن الرحالة والمستكشفين الذين توجهوا إلى منطقة بلاد ما بين النهرين، وإلى أفغانستان بالتحديد، أشاروا منذ نهايات القرن التاسع عشر، إلى أنه من العبث تماما، تحقيق حلم الأوروبيين في إمكانية نقل "الحضارة" الغربية، إلى هذه المناطق ذات التقاليد العريقة المتأصلة.
وينقل المؤلف عن مؤسس البنيوية، كلود ليفي ستروس، قوله: "إنني أكره الأسفار والمسافرين"، كما كتب في مطلع عمله الشهير "المدارات الحزينة".
الكتاب: على حدود العالم
تأليف: جلبرت غروليت
الناشر: جان بيكوليك - باريس- 2011
الصفحات: 588 صفحة
القطع: المتوسط
Aux frontières du monde
Gilbert Grellet
Jean Picolec- Paris- 2011
588 .p