"الحيوان الاجتماعي"، كتاب يحكي عن ما يسمى في علم النفس بـ"اللاوعي"، الذي يعرف آلاف العمليات التي تشكل الأساس العميق للسلوك الواعي الذي يقوم به البشر. ويؤكد المؤلف أن جميع القرارات التي يتخذها الإنسان، يتم في الواقع توجيهه مسبقا.

بهذا المعنى يرى مؤلف الكتاب دافيد بروكس، الصحافي الأميركي، أن عملية كتابة التاريخ، تقوم على توصيف ما جرى وكأنه بمثابة شرح أحداث كان قد أسس لها في اللاوعي لأصحاب القرار الذين كانوا العناصر الفاعلة في حدوثها. وهذا ما يعبّر عنه المؤلف بالقول ان هناك آلاف الكشافة الذين ينقبون في الأرض وفي كل الاتجاهات، ولكن هناك جنرالا واحدا عقلانيا، يتأمل ساحة المعركة من فوق هضبة عالية.

وهو يرسم صورتين شخصيتين خياليتين: هارولك واريكا، كي يشرح الأفكار التي يطرحها عبر استخدام كم كبير من المرجعيات الأدبية، عن الحياة النفسية وعن الطبيعة الإنسانية وعن المجتمع. وهو يفعل بذلك ما كان قد فعله جان جاك روسو في كتابه الشهير "اميل"، غاية الحديث عبر بطله "اميل" عن المسألة التربوية.

ونجد أن هارولد، الطفل الحالم الذي يعيش غالباً في الخيال، وليس في الواقع، وهو مطيع لوالديه اللذين ينحدران من الطبقة الوسطى. كما يتسم بقدر كبير من الطموح الذي تتوّج بالنجاح، إذ أصبح كاتبا معروفا وشخصية اجتماعية مرموقة. بينما اريكا هي فتاة صعبة المزاج وتنحدر من أم صينية وأب مكسيكي. وهي أيضا طموحة، واستطاعت الحصول على وظيفة في إطار الفريق الديمقراطي ضمن الرئاسة الأميركية.

إن المؤلف يشرح كل مرحلة من مراحل حياة الشخصيتين، في مطلع هذا القرن: الحادي والعشرين. وهذا ما يعلّق عليه المؤلف بالقول: "إنني أريد توصيف مختلف سمات نمط حياتنا في السياق الراهن".

ومن خلال تحليل شخصيتي ومساري: هارولد واريكا، يشرح المؤلف أن هناك مستويين للعقل، وهما اللاوعي والوعي. ولا يتردد في القول ان المستوى الأول، هو أكثر أهمية بكثير في ما يتعلق بتحديد ما نقوم به من أفعال. ومن الواضح أن دافيد بروكس يتحدث عن الانفعالات وأشكال الحدس والرغبات والاستعداد الفطري والوراثي، وكذلك ملامح الشخصية والمقاييس الاجتماعية، بالمعنى الذي لا تخضع فيه للرقابة المباشرة إلى الوعي.

ويروي بروكس، أن باحثين أميركيين اثنين وزّعا على طلابهما في جامعة يال الأميركية، سيرة حياة ناتان جونسون، عالم الرياضيات الشهير. وقام الباحثان بتغيير تاريخ ولادة جونسون كي تتطابق مع تاريخ ولادة بعض الطلبة. وطلب من جميع تلاميذه حلّ مسألة رياضيات معقدة. وتبين أن أولئك الذين تناظر تاريخ ولادتهم مع تاريخ ولادة الرياضي الشهير، كرّسوا 65 في المئة من الوقت الإضافي عن الآخرين لتقديم الحل، وحققوا بالنتيجة نجاحا أكبر.

ويتعرّض المؤلف على مدى صفحات الكتاب، للاكتشافات التي عرفتها السنوات العشر الأخيرة في ميادين متنوعة، تطال علم النفس والتسويق والعلوم العصبية ـ البيولوجية، وغيرها. وتتمثل النتيجة الأساسية التي يتوصل إليها بالقول ان تصرفات البشر لا تخضع بالدرجة الأولى إلى العقل والذكاء، ولكن بالأحرى إلى الانفعالات، ودون وعي ذلك في أكثر الأحيان.

وتؤكد التحليلات المقدّمة في هذا السياق، على أنه ليس هناك قبطان يحتل مقعد القيادة، ولكن هناك ملايين الأحاسيس ذات المصادر المتنوعة، من صور وحركات وحواس وغيرها. وهذا الكمّ الكبير من الأحاسيس، ينتج عددا غير محدود من أحكام القيمة التي تتكدس لتتأسس عليها مجموعة أهداف وطموحات وأحلام ورغبات.

ويذهب المؤلف أبعد من هذا، إلى القول ان الانفعالات لا تتحكّم بسلوكياتنا فحسب، ولكنها هي التي يمكن أن تقودنا إلى النجاح، شريطة السيطرة عليها واستخدامها بشكل جيد. ومن ما يقوله المؤلف في تحليلاته: "إن دراسات كثيرة جرت حول آلاف الأشخاص، دلّت على أن درجات الذكاء ليس لها سوى تأثير ضعيف على بعض الصفات، مثل تفتّح الذهن والحاجة إلى المعرفة، وليس لها أي تأثير أبدا على بعض الكفاءات الأخرى، مثل المثابرة والفضول وتقديم الجهود".

ويلفت الكتاب، إلى أنه، وبالمقابل، يظهر مالكو معدّلات الذكاء المرتفعة، مهارة بالنسبة لتنفيذ المهمات المنطقية أو الحسابية. ويشرح المؤلف ماهية ذلك، مبينا أن التقدم إلى الأمام في العالم الحقيقي، وفي إطار المجتمعات المعاصرة القائمة على المنافسة، يتطلّب بالضرورة رفد الذكاء بسمات شخصية أخرى، مثل معرفة تلقي المعلومات قبل اتخاذ القرارات، ومعرفة التأمّل العميق بمشكلة مطروحة، ومعرفة التبصّر بالنتائج قبل الشروع في العمل.

ويرى أن هذه المسائل، تخضع إلى تأثير الوسط الاجتماعي، ضمن المعيار الذي يريد فيه كل فرد الانتماء إلى مجموعة. وبهذا المعنى يراه المؤلف "حيوانا اجتماعيا"، كما جاء في عنوان الكتاب. لكن بكل الحالات، إن انفعالاتنا هي التي تقوم بعملية الفرز، فيما يتعلق بخيارات البشر.

الكتاب: الحيوان الاجتماعي.. المصادر المخبوءة للحب والشخصية والنجاح

 

 

 

الكتاب: الحيوان الإجتماعي المصادر المخبوءة للحب والشخصية والنجاح

تأليف: دافيد بروكس

الناشر: شورت بوكس ـ نيويورك ـ 2011

الصفحات: 430 صفحة

القطع: المتوسط

 

The social animal

David Brooks

Short Books ذ

New York - 2011

430 .p