وتبحث المؤلفة في هذا العمل الجديد، عن أشياء الحياة الصغيرة وأبسط انفعالات البشر. كما تهتم ببحث موضوع مغامرة الوجود الإنساني نفسها، في ما هو أبعد من الاهتمامات العميقة والمشاعر والعواطف القوية والالتزام، ذلك في أي منحى أو أي مشرب فكري وسياسي.

إنها تكتب هنا عن الأشياء الصغيرة التي تسميها "ملح الحياة"، بكل ما فيها من تأمل وحميمية وأحاسيس معاشة. ولمح الى ان هذه الأشياء الصغيرة، من صور وانفعالات ولحظات، تتطلّع إليها دائما، الذات العميقة لدى الإنسان، كون ما تتركه لديه من ذكريات، تعطي للحياة طعمها، وتنفع صاحبها عند المواقف الصعبة.

وتقدم المؤلفة، نوعا من الجرد، عن أشكال السعادة الصغيرة التي يعيشها البشر يوميا. وترى أنها قيمة الحياة. وتكتب: "ينبغي علينا أن ندرك أن الأشياء عابرة، ولكن علينا في الوقت نفسه، أن نستفيد منها".

والأشياء التي تقصدها فرانسواز هيريتييه، هي تلك التي تعبر، ودون أن نتنبّه آنيا، لمرورها في حينها، ذلك مثل: تناول فنجان قهوة ذات صباح مشمس، موجة الضحك الجنوني التي يعيشها الأصحاب فيها بينهم لأسباب بسيطة، الاستماع إلى صوت المطر المتساقط في الخارج، رائحة الأرض في إفريقيا. وتوضح المؤلفة ان تلك فعليا، أشياء صغيرة.. صغيرة، ولكن يبقى طعمها في الذاكرة، وهي تعطي الإحساس بامتياز، في أن يكون الإنسان على الأرض.

وتشير مؤلفة الكتاب، إلى أنها عاشت مآسي الحرب العالمية الثانية، وأعطتها تجربة حياتها خاصة في دراسة تطور المجتمعات الإفريقية، ميزة المقارنة بين نظرة الشعوب إلى ما يعنيه: زمن العيش. ومن ثم فإن امتلاك هذا "الزمن"، تجد انه محكوم في البلدان الغربية عامة، بسبب نظرتها إلى مفهوم العمل، بالوصول إلى سن التقاعد عمليا، بينما هناك الكثير من الشعوب التي لا تضيّع الكثير من وقتها في العمل.

وتقتدي المؤلفة في تحليلاتها في هذا الخضم، بمسار وخطى المفكر، مؤسس البنيوية، كلود ليفي ستروس، الذي خلفته في مقعده بالكوليج دو فرانس، إذ تعود إلى الحديث عنه مرّات كثيرة، وتولي اهتماما خاصا لنمط حياة النساء في العديد من المجتمعات التقليدية. هذا مع الانتباه أكثر لمكانتهن الاجتماعية، وبالتالي موقعهن في السياسة.

هذا الكتاب هو في صميمه، كما تشير فرانسواز هيريتييه، نوع من شرح خلفيات العلاقة بين امرأة:هي.وطبيبها المتفاني في عمله. وتشير إلى أنه، مثلها، لا يزال على قيد الحياة. وكانت قد بدأت في فصل الصيف الماضي بالكتابة إليه، كي تحدثه عن "ملح الحياة".

وتكتب المؤلفة: "أجبته ذات مرة كما يلي: (إنك تخفي كل يوم ما يصنع ملح الحياة..). ويخامرني بقوة السؤال جديا عن ما يتكون منه ملح حياتي". ومن خلال مثل هذا السؤال، يبدأ لدى المؤلفة، نوع من البحث عن العلاقة بين الماضي والحاضر.

ذلك أن ماضي كل إنسان موجود بمعنى ما، وإلى هذه الدرجة أو تلك، في حاضره، شارحة ان مكنون ذلك ومؤداه، طبيعة العلاقة والروابط التي يتم نسجها مع أسرتنا وعائلتنا وأقربائنا، ومع الأشخاص الذين أحببناهم وأحبّونا، وكذلك مع المجتمع الذي نتوجه إليه، عندما نكتب أو نتكلم أو نتصرّف.

وتطلعنا المؤلفة في ابحاثها ضمن الكتالب، على أنها لا تنسى الآلام الصغيرة أيضا، والمقصود هو الأحاسيس والمشاعر والانفعالات والرغائب الصغيرة، وكذا أشكال الفرح الكبرى ونهاية الأوهام العميقة أحيانا، بل وبعض الآلام. وتضيف:" إن تفكيري يذهب بالأحرى صوب اللحظات المشعّة والمضيئة في الحياة، وليس اللحظات القاتمة، وهناك بالتأكيد الكثير منها في حياة كل إنسان". وتبدأ المؤلفة تفاصيل حديثها، في هذا الخصوص، بتكرار تعبير "أتذكر...".

ولكن القامــوس البسيط الذي تستخدمه في أسلوبها المعتمد هنا، يذهب نحو الكشف عن عمق أعماق الأشياء الصغيرة، التي تبني كل إنسان، كـكائن اجتماعي وكبعد إنساني، يتجاوز الدور الاجتماعي الذي يلعبه. ومن خلال موكب من المشاعر الحسّية، تعيد المؤلفة إلى قارئها، كل ألوان الحياة.

وتشير المؤلفـــة إلى الخلط الكـــبير الذي يقوم به البعض، بين الحضارات والثقافات وأشكال السلوك، مؤكدة ان هذا كله يدلّ على مدى جهلهم، بما قدّمته العلوم الإنسانيـــة منذ مئــــات السنـــوات، بل واحتقارهم لها. إذ إنهم يجهلون التوصيف والتعريفات وطرق الملاحظة واللغة المشتركة.

وبالتالي، لا يحق لأحد، وبمجرّد كونه ينتمي إلى بلاد متقدمة صناعيا واستهلاكيا، أن يقدّم أحكاما نهائية في ميادين المعرفة التي تتجاوزه تماما. وفي المحصلة، ليس مسموح لهم التحدّث في المسائل التي تتعلق بمعرفة الأرض والكون.

ويمثل الكتاب، بوجه عام، دعوة إلى التأمّل في الأشياء الصغيرة والكبيرة التي نعيشها، من أجل صحتنا النفسية والبدنية والعقلية، وكذلك إلى أن نغلق العيون، كي نسمع بشكل أفضل، همهمة الريح في حقل الصفصاف المجاور.

 

 

الكتاب: ملح الحياة

تأليف: فرانسواز هيريتييه

الناشر: اوديل جاكوب باريس- 2012

الصفحات: 91 صفحة

القطع: الصغير

 

Le sel de la vie

Françoise Héritier

Odile Jacob - Paris- 2012

91 .p