يرسم كتاب "صور حلبية كان لها شأن"، لمؤلفه منير حلاق، صورة بانورامية شاملة لمدينة حلب في سوريا، موضحا أنها في بنيتها ومضمون مفرداتها اليوم، تتمايز عن الأمس، فالحلبي الذي عاش في النصف الأول من القرن العشرين، يدرك تماماً، التبدل الجذري الذي شمل أكثر نواحي الحياة، هؤلاء يعيشون في غربة تامة عن الحياة الاجتماعية التي عاشها آباؤهم وأجدادهم، والتي لم يمض على زوالها، وقتا طويلا.

فها هي مفردات كثيرة، تمس حياتهم وشكل معيشتهم، آنذاك، بات أبناء اليوم، حين يسمعون بها، يستغربون ويقفون حيارى أمامها لمعرفة معانيها، وهي مثل: الحنطور، الشوبك، ثريا الكاز، الشمعدان، منقل النار، جرن الكبة، الجبّ، الحاصل، الصهريج، التفاية، الآشوشة، السمندرة، البرطاش، الكتبية، ملّم الفرشات. ونجد ان الابناء لا يدركون أيا من دلالات هذه الكلمات، ذلك أن الحياة العصرية التي فتحوا أعينهم عليها، ألغت هذه الأشياء من الوجود.

واستعاضت عنها بأدوات حديثة أيسر استعمالاً وأكثر راحة، لكن ما إن مضى بعض الوقت على خروج هذه الأشياء من الاستعمال، حتى تهافت الناس على جمعها واقتنائها ثانية، فبرزت للعيان، ولكن ليس بغرض العودة إلى استعمالها، إنما لتزيين البيوت بها، لأنها دخلت في زمرة الآثار، واندفع السكان يجمعون من هنا وهناك: الجرار والفوانيس ومكاوي الفحم، لأنها أصبحت نادرة واختفى من مسرح الصناعة صانعوها، وبهذا ارتفعت أثمانها مجدداً.

لم تكن الحياة اليومية يسيرة بل كانت محفوفة بالمتاعب والمشقات، فالمسنون يسردون علينا شيئاً من حياتهم. وهم يقولون: "أوقية اللحم بخمسة قروش، وسفاية التوت بعشرة قروش، ورطل الفحم بخمسة عشر قرشاً، رطل لحم الخروف بأربعة وعشرين". ومع ذلك، كانت المساحيب قليلة، فالجمل بقرش والقرش غير موجود.

ونتبين في مضمون تلك الصور كيف انه كانت الأسر تقطن دوراً عربية، فإذا كانت الدار مؤلفة من أربع أسر تشغل هذه الدار، ففي كل غرفة أسرة، وعلى هذا فإن صحن الدار والبئر المحفورة فيه والمطبخ وبيت الأدب، كل هذه المرافق مشتركة بين الجميع.

ويؤكد منير يوسف حلاق، أنه غالباً ما كانت المرأة تعمل مع زوجها في الحياكة على النول اليدوي. وكانت الأنوال منصوبة داخل البيوت وفي الدكاكين والقيساريات. وكانت الزوجة تساعد زوجها في تحضير المواسير وتحبيرها بالخيوط. وأمّا الأولاد فكانوا يعملون في الصناعات المختلفة، ولم تكن لديهم ساعات عمل محدّودة، وكان المعلم يستخدمهم من الصباح إلى المساء ، وفي قسم من الليل أحياناً.

ويلفت المؤلف الى فترة انتشر فيها وباء التيفوس أو "الهوا الأصفر"، فكنت ترى الموتى مطروحين في الشوارع، وهؤلاء كانوا ضحايا الجوع والأوبئة التي تفشت بين الناس. كما كانت قوافل الأرمن القادمة من الأراضي المهجرين منها، تتواصل وتحط الرحال في حلب، ولم يكن لهؤلاء الناس من مأوى، فأقاموا في العراء، ولكنهم سرعان ما صنعوا مساكن من الصفيح يحتمون تحت سقفها من برد الشتاء وحرّ الصيف.

وكان الناس، يأخذون، حين يتعرض القمر للخسوف بالطرق على الهاونات والأواني النحاسية والطبول، كي يحمل هذا الضجيج الحوت على قذف القمر من جوفه، وكان يعني كسوف الشمس أن حرباً ما على الأبواب، وما تزال مثل هذه الخرافات رائجة حتى يومنا هذا، ومنها: (التفليك في فنجان القهوة، تعليق حدوة الحصان فوق باب الدار، دفعاً لأذى العين الحاسدة).

ويشير حلاق، إلى ان الأمهات، يغنين لأطفالهم اغنيات كثيرة جميلة وبسيطة (يذكر بعضها المؤلف). كما كن يسردن لهم حكايات يختمنها بصوت هديل الحمام، الذي كــان يملأ الدور الحلبيـة :

كوكو كوكو أي دبحونـي

كوكو كوكو أبويي أكلوني

وأختي الحنونة زتت عضامي

على مرج الأخضر

 

وينتقل المؤلف إلى الحديث عن حقل آخر، في استعراضه لمجمل جوانب الحياة المجتمعية في حلب، في تلك الفترة، فيوضح انه راجت في هذه الفترة ألوان عديدة من فنون الأدب الشعبي، مثل: الحكايا القصيرة أو الطويلة، الأمثال، الموّال. ويشير حلاق إلى انه، وبخصوص الموال، فقد جمع في مضمون ما يتغنى به، مختلف الأبواب الأدبية المعروفة، من فخر وغزل ومديح وهجاء ورثاء وحكم ووصف. ومنه: الموّال السبعاوي.

ثم يحكي حلاق عن طقس آخر من طقوس العادات، لافتا الى انه كان الذهاب إلى الحمام والعودة منه، يستغرق ساعات عدة، فكنت ترى قوافل النساء والأطفال، محملة بـ"البقج"، والألبسة والمأكولات، مثل: (تبولة، الكبة نية، إيج، مجدرة، مخلل فواكه).

وبعضها كان يتم صنعه في الحمام، والآخر في البيوت. وفي الحمام لدى النساء، كانت تتم عملية انتقاء العروس، فتوضع علامات الجمال والشناعة على هوى الواصفة، وتبعاً لذوقها. وأما الأثرياء فكانوا يستأجرون الحمام طوال اليوم، فلا يضايقهم أحد.

وعن آداب الحمام، كانوا يقولون منذ خروج المستحم: "قبلنا أياديكم". وكانوا يجيبونه: "حمام الهنا". كما قالوا عن المستحمات: "الكويسة من صبحية حمامها، والبشعة من فيقة منامها". وكان لأصحاب الحمام مقهى خاص بهم، وفيه درج على عقد الصفقات وحل الخلافات والأمور المستعصية. ويضاف إلى ذلك، أنهم كانوا يلتقون في يومي الجمعة والأحد، في السوق، لعقد صفقات البيع والشراء، أو فك الطيور المحتجزة والاطلاع على آخر أخبار الفراخ أو التفريخ والخلاخيل الجديدة.

 

 

 

 

الكتاب: صور حلبية كان لها شأن

تأليف: منير يوسف حلاق

الناشر: نادي السيارات والسياحة السوري، حلب 2011

الصفحات 234 صفحة

القطع: الكبير