من المعروف أن الطاقة تمثل سلعة استراتيجية في عالم اليوم، وحيث ان الطلب عليها يتعاظم باستمرار، بينما يتضاءل المخزون منها بكل مصادرها، من الفحم وحتى اليورانيوم، ومرورا بالنفط والغاز، وغيرهما من مصادر الطاقة. وبالتوازي مع هذا، تبدي المجتمعات الصناعية فهما أكبر للطاقة، حيث تمثل الصين اليوم أحد أكبر المستهلكين لها في العالم. والمهندس والأستاذ الجامعي الفرنسي المتخصص بمسائل الطاقة والبيئة، جان مارك جنكوفيشي، يقدم كتابا تحت عنوان "تغيير العالم.. مشروع ضخم".
وينطلق المؤلف في تحليلاته، من ملاحظة مفادها أن الآمال التي تعقدها الشعوب الغربية في حكوماتها من أجل استئناف التنمية، وهمية وخطيرة. وذلك في إطار الاقتصاد المعولم السائد اليوم، المرتبط عضويا بمصادر الطاقة المعروفة من نفط وغاز، فبمقدار ما تنطلق التنمية بسرعة، تقترب أكثر فأكثر، الصدمة البترولية القادمة، لينتهي مرة أخرى، مسار التنمية التي جرى الشروع بها.
هذا يعني أن كل مشروع للتنمية مرتبط بمشروع، لصدمة جديدة على صعيد الطاقة. وبالتالي، يجد العالم القائم اليوم نفسه أمام دوّامة حقيقية. وما يؤكده المؤلف أن المطلوب حكما، هو الخروج من هذه الدوّامة. لكن كيف؟ وأين الحل؟ يسأل المؤلف. ثم يتساءل مباشرة: هل الحل هو في الايولين، أو في الطاقة الشمسية؟
لا شك أنهما، أي الايولين والطاقة الشمسية، مصدرا طاقة نظيفة. ولكن كلفتهما خيالية ومساهمتهما الحالية، في مجال تأمين الطاقة، لا معنى لها. فهل يمكن اللجوء إلى مصدر الطاقة النووي؟ ويجيب المؤلف هنا، ان هذا المصدر ممتاز في أغلب الأحيان، ومن المطلوب الاستفادة منه إلى أقصى درجة ممكنة، والعمل على تطوير هذا المصدر الهام للطاقة البديلة.
الفكرة الأساسية التي يؤكدها مؤلف الكتاب، أن مسألة مصادر الطاقة، رغم أهميتها الكبرى، ليست الحل النهائي، بل المطلوب مشروع جديد للمجتمع، يتم بموجبه التحوّل نحو اقتصاد يستبعد غاز الكربون. ومثل هذا المشروع يطال بالضرورة، جميع نواحي حياة البشر، من المهن التي يمارسونها، ووصولا إلى مساكنهم ومنظومة علاجهم. ويطال أيضا، الزراعة والتغذية ووسائل النقل والجيش والدبلوماسية والصناعة وغيرها من النشاطات التي يمارسها البشر اليوم.
كل نشاط من هذه النشاطات التي تعرفها مجتمعات اليوم، ينبغي تحريره من غاز الفحم، من أجل تجنّب دفعه نحو الطريق المسدودة.. بل وينبغي تحريره، بأقصى سرعة ممكنة، كما يذكر المؤلف. ويؤكد المؤلف، أن مصادر الطاقة التقليدية كانت قد منحت البشر قدرات هائلة، مكّنتهم من السيطرة على الطبيعة، إلى هذه الدرجة أو تلك، كما وفّرت لهم وسائل الراحة والرفاهية التي ما كان للإنسان أن يحلم بها، قبل قرنين من الزمن. وهذه المصادر هي التي شكّلت، بالقطع، الأساس الذي يقوم عليه النظام الاقتصادي السائد اليوم.
لكن الثابت أيضا، أنها في طريق الاستنزاف، وبالتالي النضوب في منظور زمني يقصر أو يطول. ولا تذهب أكثر التقديرات تفاؤلا إلى أبعد من نهاية القرن الحالي.
ويشرح المؤلف في أحد فصول الأزمنة، أن الأزمة المالية والاقتصادية التي يعيشها العالم، لا تعود في الحقيقة لخلل في آليات عمال البنوك والمصارف والأسواق المالية عامة. ولكنها تعود بالأحرى، إلى أزمة في ميدان الطاقة، تتمثل ملامحها في ندرة مصادرها، وفي التعديد بنقصانها في الأسواق. وبالتالي إذا كانت المنظومة الاقتصادية تقوم على توفير الطاقة بـسهولة وبسعر قليل، فإن تهديد الطاقة يستهدف الجسد الاقتصادي كله.
وأمام هذا كله، ينبغي على البشر أن يدركوا تماما أن الحلول التقليدية المقترحة للنهوض بالتنمية، تسير في الطريق الخاطئة. وأنه جاءت لحظة العالم الذي يتجه في مجال الطاقة نحو نهايته.
ويكرّس مؤلف الكتاب، عدة صفحات للحديث عن الصعوبات التي واجهت، وتواجه، المحاولات التي قامت حتى الآن، من أجل الحد من كمية غاز الفحم- الكربون، المنطلق من مصانع ومحركات الحقبة الصناعية، منذ بداياتها وحتى اليوم.
ويصل إلى القول ان الحلول لا تتعلق ببعض الإجراءات المتفرّقة أو المنفردة، هنا اوهناك. ولكن بالأحرى بتبنّي مشروعات متكاملة تضع حدا نهائيا لتصحّر الأرياف، حتى في القارة الأوروبية والأميركية، والحد من الشبق الاستهلاكي الذي تتمثل إحدى نتائجه الخطيرة، في الإفراط باستهلاك مصادر الطاقة.
ويؤكّد المؤلف على ضرورة فهم واقع أن الإنتاج لا يتعلق بالعمل ورأس المال فحسب، ولكن أيضا وخاصة، بالطاقة التي تتبوأ موقع القيادة، إذ انتهى بوجودها، الزمن الذي كان مصدر الطاقة، وبالتالي مصدر الإنتاج: عضلات البشر. ولكن العالم هو اليوم، على مشارف الزمن الذي تشكل فيه مصادر الطاقة الصناعية التقليدية، محرّك الاقتصاد الحديث.
ويؤكد المؤلف أيضا أنه إذا فقد العالم اليوم البترول والغاز والفحم، فإنه لم يخسر 4 بالمئة من إجمالي الداخلي، لكن 99 بالمئة من هذا الإنتاج. وبذا فعلى البشر أن يفكروا فيما هو أبعد من الحقبة الراهنة، باتجاه تغيير العالم، وهذا مشروع ضخم، كما يشرح المؤلف.
الكتاب: تغيير العالم مشروع ضخم
تأليف: جان مارك جانكوفتشي
الناشر: كالمان ليفي - باريس- 2011
الصفحات: 242 صفحة
القطع: المتوسط
Chnager le monde
Jean-Marc Jancovici
Calman Levy -
Paris- 2011
242 .p