يركز كتاب" الكنيسة المصرية..توازنات الدين والدولة، لمؤلفه هاني لبيب، على بحث واستعراض جملة مشاكل وقضايا مضمونية، جوهرية، في شأن الكثير من المجالات الخلافية الخاصة بالكنيسة في مصر، سواء ضمنها وفي تشابكات علاقات شتى جهاتها، أو في علاقتها بالنظم السياسية المجتمعية، إلى جانب مختلف الإفرازات والنتائج لهذه المسائل، في الواقع الملموس.
ويعنى المؤلف بدراسة وتحليل ماهية العلاقة الملتبسة بين التيارات الإسلامية والمواطنين المسيحيين المصريين، كما يقدم رؤية شاملة وواضحة حول بعض القضايا المستقبلية في هذا الخصوص، منها: المشاركة السياسية للمواطنين المسيحيين المصريين، قضية البابا القادم. ويشتمل الكتاب على العديد من الشهادات والملاحق ذات الدلالة حول علاقة الكنيسة بالدولة. بالإضافة إلى الكثير من الوثائق المهمة، والتي ينشر العديد منها للمرة الأولى.
ويعالج لبيب، في كتابه، قضية محورية، تتمثل في صناعة القرار المتعلق بالتوترات الطائفية، موضحاً أنه أمر شائك جداً، لما يراعيه من أبعاد كثيرة متشابكة ومتداخلة ومتباينة، وربما يكون أبسطها هو الحل الأمني السريع. ويلفت المؤلف إلى أن ملف العلاقات المسيحية ــ الإسلامية، كان في الكثير من الأحوال مجرد ملف أمني في مصر. ولكن لبيب يشدد على أن الحلين: ( الأمني والديني)، يبقيان أبعد الحلول ملاءمة..
فالأول "الأمني" يعيد السيطرة على اللحظة (فيقي ويعفي) المجتمع من المصادمات؛ غير أنه يبقى حلاً مؤقتاً، إذ معه وفي ظله طالما ظلت أسباب الأزمة وجذورها كما هي دون حل أو تحليل، ذلك لأنه غير معني بالمستقبل البعيد بقدر حرصه على استقرار الأحوال في لحظتها. وأما الثاني (الديني)، فيظل حلاً محفوفاً بالمخاطر، لأنه يملك حلولاً عملية، بل قد يسعى إلى تأكيد التمايز، بما يقدمه من تبريرات تعزف على أوتار القيم، والنصوص الدينية أحياناً.
ويدرج الكتاب جملة وقائع وإشارات شهدتها الفترة الأخيرة، من خلال (خبرة) التعامل مع التوترات الطائفية، وخصوصاً طيلة الـ25 سنة الأخيرة بوجه خاص، ويرى المؤلف أنها تؤكد على أهمية أن يكون الحل دائماً قائماً على حلول وطنية.. وهي صمام الآمان الأساسي ضد الطائفية البغيضة. فالتوترات والأزمات الطائفية في العلاقات المسيحية ــ الإسلامية، حسب المؤلف، تحتاج إلى رؤية وطنية تهتم بالحفاظ على مستقبل هذه العلاقات في ظل كل ما يدور حولنا داخلياً وخارجياً.
ويتطرق الكتاب بوضوح، إلى نقطة مهمة، تتمثل في أن المشكلة الأساسية لكل هذه النوعية من الأزمات هي الأمية الدينية التي لا يعاني منها المصريون (من مسيحيين ومسلمين) فحسب، بل العديد من رجال الدين من المسيحيين والمسلمين أيضاً.
وذلك بعد أن غابت هيبة الدولة في كثير من المواقف والأزمات.ويخلص لبيب إلى حقيقة واعتبارات مفصلية في هذا السياق، جوهرها أنه يمكن الاستغناء عن كل ما سبق، من خلال صياغة دستور مدني ليبرالي مصري جديد.
وذلك على اعتبار أن التسامح الحقيقي هو أساس صناعة القرار المتعلق بالتوترات الطائفية، وهو ما يعني أن يلتزم الجميع السماح لبعضهم بممارسة مختلف أنواع عباداتهم الدينية، باعتبارها حقاً خالصاً لهم.. وليس تفضلاً عليهم من أحد. وأما خارج هذا الإطار.. فينبغي أن يسود بين الجميع، العدل ومجموعة القيم المرتبطة بالتسامح.
ومنها: الاحترام والصدق والسلام والتعاون والأمانة. وذلك كما هو حال: نموذج نقل الكنيسة الإنجيلية بمحافظة الأقصر من مسار طريق الكباش الأثري إلى مكان آخر بالاتفاق التام بين رئاسة الكنيسة الإنجيلية والمحافظة التي خصصت الأرض لبناء الكنيسة الجديدة، كما تحملت تكلفة البناء.
الكتاب: الكنيسة المصرية.. توازنات الدين والدولة
تأليف: هاني لبيب
الناشر: دار نهضة مصر- القاهرة 2012
الصفحات: 527 صفحة
القطع : المتوسط