في عام 2008 شخّص الأطباء إصابة المؤرخ البريطاني الشهير توني جوت، بمرض عضلي - عصبي، أدّى إلى شلله ومن ثم إلى وفاته بعد عامين، وتحديداً في شهر أغسطس من العام 2010. وكان عمره 62 عاماً، ولم يكن قادراً على الكتابة خلال العامين الأخيرين من حياته. وعرض عليه أحد أصدقائه، وهو الأستاذ الجامعي تيموتي سنايدر، تأليف كتاب عن سيرة حياته وعن أعماله. وهكذا جرى إنجاز الكتاب الذي يحمل عنوان: "التفكير في القرن العشرين".
التقى المؤرخان - الصديقان، مرات ومرات، ولساعات طويلة. وقد كان توني جوت من يتحدث خلالها، غالباً. بينما كان تيموتي ستايدر يقوم بتدوين ما يقوله من أفكار وذكريات. وكان يتم بعد ذلك، توثيق مواضيع الحديث، بالاعتماد على مرجعيات محددة. وجرى توزيع مواد هذا الكتاب.
والذي يزيد عدد صفحاته، على الـ400 صفحة، في عشرة فصول، يناقش كل منها موضوعاً محدداً، أو أحد أوجه النشاط التي مارسها جوت، أو أشياء أخرى تخصه، مثل الأماكن التي عاش وعمل فيها، أو ربما التعليق على أحد أعماله. وبقي محور الزمن الخاص بما يبحثه المؤلفان: القرن العشرين. وكانت "خارطة الطريق" الخاصة بالمواضيع التي تم التطرق إليها، هي مواضيع اهتمامهما المشترك، وذكريات الأمس القريب والبعيد. ومنذ البداية بدا بوضوح، أن سنايدر، المحرر، والمؤرخ الشاب، أراد دفع زميله، المؤرخ الكبير، إلى الحديث عن حياته الشخصية، وعن آرائه في شتى مشارب المعرفة والفكر والسياسة.
ويصرّح جوت أنه كان قريباً من الفكر الماركسي، ولكنه لم يكن شيوعياً في أي يوم من الأيام. ومن هنا بالتحديد، جاء اهتمامه (عندما كان شاباً)، بتاريخ اليسار الفرنسي. ولكنه لم يقبل أبداً الفكرة الشائعة التي كان يرددها الثوريون الفرنسيون، والتي مفادها ان ثورة 1917 البلشفية في روسيا، كانت بمثابة استمرار للثورة الفرنسية الكبرى عام 1789، وهو يعتبر هذه المقولة من أوهام القرن العشرين. ولكن لا يمكن الفهم الكامل للقرن العشرين إذا لم تتم المشاركة بأوهامه ولو مرة واحدة، كما جاء في إحدى إجابات توني جوت، على أسئلة صديقه.
ولم يتردد توني جوت في توجيه النقد الشديد لإسرائيل وللدولة العبرية، رغم أنه ينحدر من أسرة يهودية، ولكنها أسرة لا تمارس الطقوس الدينية، ويشير إلى مقال كتبه عام 1993 في "مجلة نيويورك للكتب"، ونادى فيه بحلّ الدولة الواحدة، وهو ما أثار عليه ما يسميه: "عاصفة من الضغينة وعدم الفهم" من قبل الصهيونيين.
وتتم الإشارة في هذا الكتاب إلى دور المثقفين في مجتمعاتهم. ويقول جوت في هذا الخصوص: "إن الطريقة التي يساهم فيها المثقفون بالنقاشات المحلية، تكون فيها للدوافع الشخصية مكانة راجحة".
وأما الخطيئة الثقافية الكبرى للقرن العشرين، فيجدها جوت في إصدار أحكام حيال مصير الآخرين، باسم الحرص على مستقبلهم، وبالطريقة التي يصدرها أصحاب تلك الأحكام. ولا يتردد جوت في القول ان الكثير من البشر الأذكياء، أصدروا أحكاماً كانت لها نتائج مأساوية بالنسبة لآخرين.
وفي هذا السياق، يتم الحديث عن ما تتم تسميته بـ"الوهم الشيوعي".
ويناقش المؤلفان، في أحد الفصول، الطريقة التي ساهمت فيها الحرب العالمية الأولى في دفع المثقفين باتجاهين مختلفين. ويتمثل الاتجاه الأول فيهما بتنامي النزعة السلمية لدى قسم منهم. وأما الاتجاه الآخر فهو الذي برز خاصة في ألمانيا وإيطاليا، وتمثّل في نوع من تمجيد العنف وإراقة الدماء. إذ أعرب العديد من الكتّاب النازيين عن إعجابهم الكبير بلينين، لما أبداه من قسوة.
وتتفق وجهات نظر المؤرخين، جوت وسنايدر، إلى حد كبير، من حيث دق ناقوس الخطر حيال الأخطار التي تهدد العالم الذي نعيش فيه اليوم. ويدافع جوت بقوة عن الاتحاد الأوروبي الذي يترجم حالة من التوافق العام بعد الحرب العالمية الثانية، وحالة من هدم الأسس الفكرية للحقبة التي أرسى أسسها الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان، وكذا رئيسة وزراء بريطانيا الشهيرة بالسيدة الحديدية مارغريت تاتشر.
وبالمقابل يتم التأكيد على أن جميع القناعات التي تم الإفصاح عنها، في الفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية مباشرة، بخصوص المواضيع المتعلّقة بالصحة وإيجاد فرص العمل والثقافة، وأيضاً ضمان رغد العيش للعاملين المتقاعدين، جميعها قد اضمحل وزال كي يحل محلها الشعور بالخوف. ويقول جوت في هذا الصدد: "يبدو لي أن بروز الخوف والنتائج السياسية المترتبة عليه، عوامل تقدّم الحجة الأكبر لتدعيم سياسة التلاحم الاجتماعي حول أهداف جماعية، وذلك على أساس أن سياسة الخوف تدمّر المجتمع.
وبالنسبة للحالة السائدة في عالم اليوم، وما تطرحه من تحديات ومخاوف، يؤكد توني جوت في كلماته الأخيرة، ان الطريق ستكون طويلة، ولكن من العبث وعدم المسؤولية، الزعم بأنه ليس هناك أي بديل جدّي.
الكتاب: التفكير في القرن العشرين
تأليف: توني جوت، تيموتي سنايدر
الناشر: بنغوان برس- لندن - 2012
الصفحات: 414 صفحة
القطع: المتوسط
Thinking the twentieth century
Tony Judt, Timothy Snyder
Penguin Press- London - 2012
414.p