تشتهر فرنسا، بأنها بلاد الأزياء الراقية والعطور ذات الشهرة العالمية، وكذا البلاد التي تحوي أكثر من 400 نوع من الجبن. ولكن الصحافية الأميركية باميلا دروكرمان، تكشف عن امتياز فرنسي آخر، وذلك في كتابها الذي يحمل عنوان "تربية طفل رضيع"، مع عنوان فرعي يدلّ بوضوح على توجّه مؤلفته، حيث يشير إلى "أمّ أميركية تكتشف حكمة التربية الفرنسية للأطفال". والمؤلفة هي أم لثلاثة أطفال، حيث تقيم مع أسرتها في العاصمة الفرنسية باريس.

وتشير المؤلفة بداية، إلى أنها عندما أنجبت طفلها الأول في باريس لم تكن تتصوّر أنها ستتبنّى النموذج ـ الموديل ـ الفرنسي في التربية، خاصّة وأن فرنسا ليست شهيرة بتفوقها في هذا الميدان. وتجدر الإشارة إلى أن الأهل الفرنسيين أنفسهم لا يلحّون في التأكيد على أنهم يملكون امتيازات متفرّدة في تربية الأطفال.

ولكن المؤلفة ترى شيئاً آخر "اكتشفته" من موقع المراقب الخارجي (الأجنبي)، بالمقارنة مع النموذج التربوي الأميركي خاصّة. وتركّز على القول ان الأطفال في فرنسا ينامون طيلة الليل، منذ عمر شهرين أو ثلاثة أشهر، بينما أن أطفال أصدقاءها الأميركيين، لا يعرفون مثل هذه العادة، قبل سنة من عمرهم أو أكثر.

وهناك امتياز فرنسي آخر للأطفال الفرنسيين، تحدده المؤلفة بكون الأطفال الفرنسيين يعتادون تناول وجبات غذائية متوازنة، منذ سنّ مبكّرة، بحيث يتم المزج بين بعض عجائن الخضار المتنوّعة ولحم الدجاج. وهذا بمعنى أنهم يتعلّمون أكل كل الأطعمة الضرورية لنموّهم الجسدي والذهني. وأمّا الأطفال الأميركيون فإنهم يتغذّون حسب وصفات جاهزة ـ كليشيهات ـ ليست بعيدة عن التوجيهات ذات الخلفية التجارية لأرباب الصناعات الغذائية.

وتؤكّد المقارنة التي تقوم فيها المؤلفة بين الأطفال الفرنسيين والأطفال الأميركيين ومواقف الأهل في الحالتين، أن الأهل الفرنسيين لا يبحثون عن جعل أطفالهم بمثابة آلات تفقد الفرح والإبداع في الحياة. وأطفالهم يتمتعون بالقدر نفسه من الضجيج والفضول والإبداع الذي يتمتع فيه الأطفال الأميركيون. وهذا مع فارق أن الأطفال الفرنسيين يستطيعون التصرّف بطريقة أفضل، ويملكون قدراً أكبر من الاستقلالية، من خلال دفع أهلهم لهم لاكتشاف العالم الذي يحيط بهم، تبعاً لإيقاعهم الخاص.

ومن ما تقوله المؤلفة هو ان الطبقة الوسطى الفرنسية، والتي تشكّل النسبة الأكبر بين جميع مكوّنات المجتمع الفرنسي، تقوم بتطبيق كل ما يتطلّبه النموذج الفرنسي في مجال تربية الأطفال. ولا تشذّ الطبقات الأكثر فقراً عن هذه القاعدة، بحيث انه يمكن الحديث عن قواعد تربوية جامعة.

وما تؤكّده المؤلفة هو أنها لم تختر الإقامة في باريس، بدافع الشغف الشخصي بالعاصمة الفرنسية، ولكنها المكان الذي تعيش فيه مع أب أطفالها الثلاثة، وهو صحافي بريطاني.

وتروي المؤلفة، بروح فيها الكثير من المرح، بعض ردود أفعال الأميركيين حيال فكرة العيش في فرنسا. مثل ذلك الأب الأميركي المقيم في باريس بينما تؤرّقه فكرة ذهاب ابنه، لإمضاء العطلة في أحد المعسكرات المكرّسة لهذه الغاية. وهو يتساءل: "ماذا لو سقط سلك كهربائي في المياه التي سيسبح فيها الأطفال؟ وأيضاً هذه والدة المؤلفة تتساءل متعجّبة، وهي تتكلم هاتفياً: "لماذا حراسة الطفل نهاراً؟ وكانت تردّ بذلك على قول ابنتها لها، ان أطفالها سيذهبون إلى الحضانة.

ثمّ ها هي المؤلفة نفسها تصاب بـالذعر عندما قال لها العامل الذي كان يقوم بصيانة شقّتها، ان الوسيلة الوحيدة والأكثر فاعلية لوضع الفرن الكهربائي أو الفرن العامل بالغاز في متناول الطفل، تركه يلمسه ليعرف أنه حارق.

الدرس الأساسي والقاعدة الذهبية في نجاح تربية الأطفال، حسب النموذج الفرنسي، تحددهما المؤلفة في القول: "كل شيء يكمن في التوازن.. والأهالي الفرنسيون يدركون جيّداً، أن الأطفال ليسوا مؤتمنين على طموحات أهاليهم". وبالمقابل يدرك الأطفال أنهم لا يستطيعون أن يفعلوا كل ما يخطر على بالهم، وأن عليهم أن يتعلّموا الانتظار من أجل تحقيق مراميهم. والتوازن هو ما تعتبره المؤلفة الفضيلة الواقعة بين تطرفين.

وتصف المؤلفة الأهالي الأميركيين، بأنهم يحاولون تحضير أبنائهم لعالم أكثر استقطاباً، في ظل حالة من غياب الأمن الاقتصادي. أمّا الأهالي الفرنسيون فإنهم أكثر هدوءاً، وإذا كان هناك الكثير من القلق، فإن هناك نظام ضمان اجتماعي حقيقي. ومن هنا بالتحديد، يتم الحديث عن استثنائية النموذج الاجتماعي الفرنسي.

 

 

 

 

الكتاب: تربية طفل

تأليف: باميلا دروكرمان

الناشر: بنغوان برس- نيويورك- 2012

الصفحات: 284 صفحة

القطع: المتوسط

 

Bringing up bebe

Pamela druckerman

Penguin press- New York- 2012

284_ pp