كُتب الكثير عن الحروب ودمارها ومآسيها ونتائجها الرهيبة، بالنسبة للعسكريين المشاركين فيها، ولكن أيضا، وإلى حد كبير، بالنسبة للمدنيين من ضحاياها. ومن المظاهر التي لم تنل الكثير من الاهتمام في هذا الجانب الأخير، هناك مسألة الاغتصاب التي يُعدّ ضحاياها بالآلاف، وحيث كانوا خاصة من المدنيين والنساء.
وكان المعهد التاريخي الألماني في العاصمة الفرنسية باريس، قد شهد ندوة تحت عنوان: "الاغتصاب في زمن الحرب، تاريخ تنبغي كتابته"، بإشراف مشترك، للمؤرخين والأستاذين الجامعيين، رافاييلا بلانش وفابريس فيرجيلي، وبمساهمة عدد من الباحثين الآخرين الأوروبيين والأميركيين والروس. وصدرت مساهمات تلك الندوة، بعد أشهر في كتاب، تحت عنوان: "الاغتصاب في زمن الحرب".
مساهمات الندوة العشر، تشكّل فصول هذا الكتاب، حيث تقدم كل مساهمة منها، دراسة لحالات الاغتصاب خلال حرب من الحروب، ابتداء من الاغتصاب في التشريع العسكري الروسي الحديث- ما بين القرن السادس عشر والقرن العشرين، وانتهاء بمساهمة تحمل عنوان: "كسر الصمت.. مقاربات جديدة لنتائج الاغتصاب في ارتيريا وجمهورية الكونغو الديمقراطية ورواندة والصومال، خلال سنوات 1994-2008".
والمساهمات الأخرى، تدرس الاغتصاب عبر ممارسات الجنود الألمان في الاتحاد السوفييتي، أثناء الحرب العالمية الثانية، والحرب الأهلية اليونانية، وحرب تحرير بنغلادش، والحرب في كولومبيا، ويوغسلافيا السابقة.
هذه المساهمات كلها، تبحث في الإستراتيجيات العسكرية للاغتصاب، أثناء الحروب التي عرفتها مناطق عديدة من العالم. وفي سياق التأريخ لظاهرة الاغتصاب، تتم الإشارة الى أن نصوصا تعود الى القرن السادس عشر، تقدّم الاغتصاب في زمن الحرب، وكأنه نتيجة شبه طبيعية للاحتلال. وذلك على أساس أن احتلال أرض ما، ينتج نوعا من التملّك الجماعي الذي يبيح حالة من التسامح المقبول، وإن يكن غير معلن.
وفي هذا الكتاب، يقدّم المساهمون توصيفا لواقع الرعب الذي رافق ظاهرة الاغتصاب. وذلك مثل تلك الحالة التي يسردها جندي سوفييتي عام 1945، ومفادها أن موكبا من المدنيين الألمان الهاربين، تعرّض للهجوم، إذ جرى فرز النساء عن الرجال. ونقرأ في الكتاب: "النساء، الأمهات وبناتهن، جرى وضعهن على جانبي الطريق. وأمام كل واحدة منهن، كان هناك صف من الرجال لاغتصابهن". وفي مشهد آخر يعود إلى شيشينيا عام 1999، نقرأ أنه جرى تفجير امرأة إلى شظايا، بواسطة قنبلة، جرى وضعها في جسدها".
كذلك لا يتم التركيز على الجانب العسكري السياسي- الدبلوماسي للحروب. ولا على أنواع الأسلحة وخطط المعارك والهجوم والدفاع، ولكن بالأحرى، على الأبعاد الاجتماعية والثقافية، وما يترتب على الحروب، بالنسبة للحياة اليومية لأولئك الذين يقومون بها، كما بالنسبة لأولئك الذين تقع عليهم. إنه انتقال مما هو تقني، إلى ما هو إنساني. ورؤية الحرب من خلال ما تبعثه من آلام للبشر الذين ينخرطون فيها، ويكونون ضحاياها.
ومن السمات الأساسية لمساهمات الكتاب، أنها لا تناقش مسألة الاغتصاب أثناء زمن الحرب من خلال منظور سيطرة الرجل على المرأة، وايضا الغزوات التوسعية والعدوانية فحسب. ولكن من منطلق مهم اضافي، وهو كون اللجوء إلى الاغتصاب، يمثّل في بعض الحالات أحد عناصر مشاريع شبه إستراتيجية، وليس مجرّد نزوات غريزية.
وهكذا مثلا، كانت عمليات الاغتصاب التي عرفتها يوغسلافيا السابقة أثناء الحرب الأهلية الأخيرة، قد استهدفت خاصة بعض الاثنيات والانتماءات الدينية. وكان القصد من ذلك، ذا بعد سياسي واضح. وبهذا المعنى يمكن للجوء إلى ممارسة بربرية، كالاغتصاب في زمن الحرب، لأن يكون وسيلة للبحث عن سيطرة اجتماعية أو اتنية أو وطنية، كما نقرأ في إحدى المساهمات.
وفي حالة الحرب الأهلية الكولومبية، يشرح الكاتب تحت عنوان "اغتصاب وسيطرة اجتماعية"، كيف أن الميليشيات شبه العسكرية، حاولت أن تفرض على المناطق التي جرى الاستيلاء عليها، سيطرة كاملة، وكانت ممارسات الإذلال الجنسي، والاغتصاب، قد لعبت دورا حاسما بذلك.
ويتم التأكيد على أن تلك الممارسات، استهدفت بالتحديد النساء اللواتي أبدين أقل إشارة للعدائية، أو قمن بأي قدر ضئيل من المقاومة، أو حتى اللواتي يُظهرن أي جزء من أجسادهن. من خلال ذلك جرى نشر مناخ مستمر من الرعب، وفرض حالة من الخضوع الكامل، إذ غير الهرب، لم تكن هناك أية وسيلة ممكنة للمقاومة.
وما يتكرر في المساهمات المقدّمة، هو أن مثل تلك الممارسة كانت تلقى نوعا من التواطؤ لدى الثقافة السائدة في كولومبيا. وهذا ما يتم التعبير عنه بالقول، ان العقوبات حيال النساء، خاصة اللواتي كنّ يخرقن بسلوكهن ما هو سائد، كانت تجد بعض الاستحسان العام.
وهكذا كانت ممارسة الاغتصاب في زمن الحرب، في خدمة نمط اجتماعي وسياسي في كولومبيا آنذاك. والممارسة عينها، سادت في اليونان أثناء الحرب الأهلية، في نهاية سنوات الأربعينات المنصرمة، حيث تعرّضت النساء المناضلات للاغتصاب في السجون، بهدف الإخضاع السياسي، عبر مثل تلك الممارسة.
الكتاب: الاغتصاب في زمن الحرب
تأليف: رافاييلا برانش، فابريس فيرجيلي وآخرون
الناشر: بايوت- باريس- 2011
الصفحات: 272 صفحة
القطع: المتوسط
Viols en temps de guerre
Raphaelle Branche, Fabrice Virgili etة
Payot - Paris- 2011
272 .p