يسرد كتاب "ثورة 17 فبراير والوجه السري للقذافي"، لمؤلفه أيمن السيسي، تفاصيل ووقائع غنية ومتنوعة، ليس فقط عن أحداث الثورة الليبية ومعاناة الناس، آنذاك، بل أيضاً، حول واقع الحياة المؤلم، بكل المقاييس. وكذلك مختلف المشاهدات التي تعكس العوز والحرمان في تلك البلاد (النفطية). ويطلعنا السيسي على عدة تفاصيل، مسجلًا عجبه وهو في الطريق إلى طبرق، من الفقر الذي رأى الناس يعانونه.. فأغلب البيوت والوجوه والأجسام يبدو عليها الهزال.. وغير ذلك من الجوانب والقضايا.
ويطلعنا أيمن السيسي، على ما يقوله قائد منطقة طبرق العسكرية، وأحد قيادات ثورة 17 فبراير في مدينة البيضاء، ضمن لقاء خاص، يوضح فيه أن ما أشعل الثورة في المدينة، مقتل صالح محمد مسعود، برصاص عبدالسلام القذافي، عندما خرج مع 4 شبان، اتفقوا على عدم ذكر أسمائهم كراهية للتفاخر، هاتفين بسقوط الطاغية، وذلك في يوم الأربعاء 16 فبراير، ومن ثم تمت إقالة مدير أمن البيضاء، والذي طلب من قواته حماية مظاهرات تشييع الجثمان فتنطلق رصاصات المرتزقة ليبدأ سيل شهداء الثورة الليبية. كما يجيب أهالي أول شهيدين في البيضاء، على سؤال المؤلف: لماذا ثار الشعب الليبي؟ بأنه لم يعد أمامهم سوى الخلاص أو الانتحار.
ويفسر السيسي سبب انتشار المفردات الدينية في أحاديث الثوار، وإطلاقهم اللحى، لأن ليبيا تضم شعباً صحراوياً وقبائلياً، لم يعرف الثقافة إلا عبر الكتّاب وما يعلم فيه من قرآن وسنة.
كما يتناول المؤلف حكايات يهودية القذافي، مشيراً إلى نقطة في غاية الأهمية، وهي الصور الفوتوغرافية التي التقطت للقذافي، منذ أن كان في الرابعة من عمره، لأن التصوير في الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي، لم يكن معروفاً على نطاق واسع في المدن الليبية الكبرى، فكيف إذاً في سرت التي كانت في ذاك الوقت محلة عمرانية صغيرة.
وقد كان يسكن القذافي في ربع يسمى أبو هادي، وهو على بعد 15 كم منها. ويتساءل السيسي: كيف يمكن لصبي صغير أو شاب يافع فقير، أن تسجل حياته بالصور؟ وكذلك اختيار 7 أبريل من كل عام، مناسبة لتصفية معارضيه وشنقهم وسط الميادين العامة في مهرجانات احتفالية، وهو يوم عيد الفطر التلمودي اليهودي الذي تسفك فيه الدماء عند المذابح في المعابد اليهودية؟ كما يشير إلى دور القذافي في تفتيت وحدة الصومال، وهو ما يصب في مصلحة إسرائيل.
وفي لقاء بمنزل أحد رجال الأعمال، بحضور مثقفين وتجار، يعكس لنا المؤلف تفاصيل الحديث الذي كان يدور، حينها، حول رفض تشكيلة المجلس الانتقالي، لاستبعاد بعض أطياف النظام القبلي في المنطقة الشرقية، وعزم الشباب على تشكيل جمعية تضع تصوراً للعمل السياسي في البلاد وإنشاء الدستور. ويشعر الكاتب أن هناك خلافاً سيشتعل بعد سقوط القذافي حول تقسيم السلطة في ليبيا وليس تقسيم ليبيا.
ويلفت المؤلف، إلى مجموعة من النقاط والميزات بشأن الثورة الليبية، سارداً جملة تفاصيل، ومنها: شجاعة إيمان العبيدي في الحديث عن اغتصابها لتفضح منتهكي شرفها في مثل هذه البلاد لابد وأن تنجح، شاب من مدينة أجدابيا وجه حديثه من إحدى الفضائيات إلى القذافي أنه سيبحث عن جثته حفرة حفرة ليستخرجها ويقطعها إرباً إرباً انتقاماً لاغتصاب ثلاث من أخواته، كثرة الشيوخ فوق سن الستين الذين يحملون السلاح أو يتدربون عليه.
وفي لقاء أيمن السيسي مع القاضي كمال حذيفة - منسق المجلسين العسكري والانتقالي، يعرفنا على حقيقية انه نقدهم لتباطؤ قوات التحالف الذين طلبوا في المقابل زيادة ضغط الثوار على كتائب القذافي من الأرض، طالما لا يريد الثوار قوات برية، دون طلب صريح للتدخل البري، مما سيطيل وقت الإطاحة بالقذافي.
ويؤكد المؤلف أن بداية مشاركة المرأة الليبية في الثورة، كانت باعتصام المحاميات، وعدد من السيدات يوم 17 فبراير، أمام محكمة شمال بنغازي وحتى سقوط مقر كتيبة الفضيل بو عمر وتأكيدهن البقاء مع أطفالهن حتى سقوط الطاغية، وإنشاء جمعية نسائية باسم "شد العزائم" تشارك عضواتها في دعم صمود الثوار على الجبهات، واستقبال ومساعدة العائلات النازحة، هرباً من مناطق القتال إلى مدن الشرق.
ويذكر نور الدين الماقني - عضو جمعية السجناء السياسيين في ليبيا ورئيس رابطة أدباء وكتاب منطقة الشرق، يذكر للمؤلف، لقاءه بالقذافي عقب تشكيل الاتحاد، ونشر عدة صحف ونشرات جامعية تنتقد هيمنة المخابرات والتعسف والقمع.
ويبرز السيسي اسم عبدالسلام الصعيطي، المناضل الذي تم تخفيف الحكم عليه، من الإعدام إلى السجن، وانضم إلى عائلات شهداء سجن بوسليم، الذين تظاهروا يوم 15 فبراير، لإطلاق سراح محامي الشهداء فتحي تربل.
ومن ثم يصل المؤلف إلى السؤال اللبناني: أين اختفى الإمام الصدر؟ ويدرج المؤلف إجاباته هنا، من خلال جوهر سؤال محوري يطرحه: هل هناك ربط بين تغييب الإمام الصدر الذي كان صاحب الدور الأقوى تأثيراً في الثورة الإيرانية، وإفساح المجال أمام الخميني، مع تهدئة الأحوال مع إسرائيل في الجنوب اللبناني، أم لإشعالها بالصورة التي ظلت عليها بعد اتفاقية الطائف؟
ويختم أيمن السيسي كتابه، بكوميديا سوداء، يطلعنا فيها على ان القذافي كاد أن يجعل من لحن "سلامتها أم حسن"، التي غناها المطرب الشعبي أحمد عدوية، موسيقى النشيد القومي الليبي، بكلمات تمجده شخصياً "جماهيرية.. سلطة شعبية.. ومعمر هو أمين القومية"، مبيناً انه بثها التلفزيون الليبي لمدة يومين، بدلاً من نشيد الله أكبر، لكن إحدى فرق أجدابيا المسرحية وضعت اللحن في مسرحية كوميدية، مما أنهى هذه الفكرة.
الكتاب: ثورة 17 فبراير والوجه السري للقذافي
تأليف: أيمن السيسي
الناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب - 2011
الصفحات: 232 صفحة
القطع: المتوسط