وضع قادة العالم العديد من الخطط من أجل مكافحة الفقر، لكن الواقع يقول انه يوجد في العالم اليوم، حوالي مليار شخص يعيشون في مستوى أدنى من دولار واحد في اليوم. وهذا يشكل دليلاً ساطعاً على فشل جميع السياسات التي تم تبنيها لمحاربة هذه الظاهرة الخطيرة والمهددة. فهل يعود هذا الفشل إلى إفلاس النظريات التي قامت عليها برامج مكافحة الفقر أم أنه يعود إلى ضخامة المهمة؟
الأطروحة الأساسية والبسيطة التي تنطلق منها تحليلات هذا الكتاب، تقول انه لا يمكن محاربة الفقر بشكل فعال، إلا مع التعرف بشكل أفضل، على طرق عيش الفقراء أنفسهم، ومعرفة ذلك بشكل موضوعي، دون عواطف ومواقف إيديولوجية. وهنا أيضاً يتم طرح أسئلة، من نوع: لماذا لا يلجأ الفقراء إلى تلقيح أطفالهم ضد الأمراض؟ لماذا يختار جائع أن يشتري قطعة حلوى صغيرة وليس كيلو من الأرز؟
ومما يكتبه المؤلفان: "ليس بسبب أنهم لا يأكلون ما يكفيهم، يبقى الفقراء فقراء". وهذا على عكس الفكرة السائدة في البلدان المتقدمة، وكذلك لدى النخب في البلدان الفقيرة نفسها. وذلك على خلفية القول ان من لا يجد ما يأكله حتى الشبع، لا يمكنه أن يعمل، وبالتالي محكوم عليه أن يبقى فقيراً.
ويشرح المؤلفان أنهما لا يريدان بالطبع، أن ينفيا واقع وجود مجاعات حقيقية في العالم، تعود في أغلب الأحيان إلى أزمات سياسية أو لحروب أهلية، فإنهما يؤكدان على أساس تقصيهما في البلدان التي قاما بزيارتها، إن فقيراً يغدو أكثر ثراءً قليلًا، لا يكرّس المبالغ التي يحصل عليها بالضرورة للتغذية. بل القاعدة الأكثر شيوعاً، أنه يشتري الثياب أو هاتفاً محمولًا.
وفي الهند مثلًا، تتضاءل أكثر فأكثر، أعداد الفقراء جداً. ومع ذلك هناك أعداد تتزايد أكثر فأكثر، لمن لا يأكلون ما يكفيهم، أي أقل من 2400 حريرة، وذلك حسب عتبة الحد الأدنى، المعتمدة من قبل الحكومة الهندية في المناطق الريفية. وسبب ذلك الميل أكثر فأكثر، إلى الاستهلاك والتمتع بالخدمات.
ويتم التأكيد في السياق نفسه، على أن تخفيض أسعار المواد الأساسية، مثل الخبز والسكر وغيرهما، لا يشكل ضماناً بأن الناس سيخفّون أكثر لشرائها. وتدل إحصائية مأخوذة من الصين، أنه عندما ينخفض ثمن الأرز، المادة الرئيسية للغذاء في الصين، تزداد مشتريات الصينيين من القريدس الجمبري- واللحوم، وبالتالي، اكتساب عدد أقل من الحريرات. وهذا يعني أنه ينبغي الانتباه للسياسات التي تؤدي حقيقة، إلى تغذية الفقراء.
ويعالج المؤلفان في تحليلاتهما، مسألة جوهرية تتعلق بالمجانية. والتأكيد بأنه تنبغي معرفة إذا ما كان دفع الفقراء لثمن ما يمكن أن يحميهم من أمراض الملاريا أو الإيدز أو غيرها، سيكون أكثر فاعلية أو أقل فاعلية من تقديمها لهم مجاناً، وكل ما هو مجاني يبدو من دون أية قيمة. والاختيار ليس سهلًا، كما يمكن أن يبدو. ويشرح المؤلفان، أنه بعد تجربة ميدانية في إفريقيا تم التوصّل إلى نتيجة مفادها، أن تقديم ما هو ضروري للفقراء، أكثر جدوى وفاعلية من دفعهم ثمنه.
وعن سياسات التربية والتعليم في البلدان الفقيرة، يشير المؤلفان إلى أن السياسات الغالبة في البلدان المعنية، تميل إلى فتح المدارس لجميع الأطفال (إجبارياً). وهذا أمر جيد، كما يقولان. لكنهما يضيفان انه هناك اليوم عدد أقل فأقل من الأطفال، يعرفون القراءة والكتابة. وهذه النتيجة موثقة، كما نقرأ.
الكتاب: اقتصاد الفقر، إعادة نظر جذرية بطريقة مكافحة الفقر في العالم
تأليف: ابيجيت بانيرجي، استير دوفلو
الناشر: بوبليك افير- نيويورك- 2011
الصفحات: 430 صفحة
القطع: المتوسط
Poor economics
Abhijit Banerjee, Esther Duflo
Public affairs ذ New York- 2011
430 .p