فيوضح كتاب" الحركة الفكرية ومراكزها في دمشق في عصر المماليك البحرية- دراسة"، للدكتور حسام الدين عباس الحزوري، أنَّ تكوين دولة المماليك الأولى البحرية يعود إلى السلطان الأيوبي الصالح نجم الدين أيوب( 1240- 1249م) الذي استطاع أن يتولى الحكم في مصر بمؤازرة المماليك، الذين عملوا على خلع العادل الثاني.
وأقاموا الصالح نجم الدين في مكانه في السلطة، وقد بقي الصالح نجم الدين أيوب معترفاً بفضل المماليك عليه، وأهميتهم بالنسبة له في توطيد سلطانه والحفاظ على ملكه، فعمل على الإكثار من شرائهم إلى درجة لم يبلغها غيره من البيت الأيوبي، حتى أضحى معظم جيشه من المماليك.
ويبين المؤلف ان ابن إياس أشار إلى أنه "اعتنى بتربيتهم تربية خاصة، ثمَّ جعلهم بطانته وحرسه الخاص، ومع مرور الوقت، أخذ نفوذهم يتضخم بشكل لافت، ولفت بعضهم إلى أنَّ الصالح نجم الدين أيوب قد اعتمد عليهم مدفوعا بعدد من العوامل السياسية، تمثلت في:
1- إنَّ العنصر الكردي ظل عماد الدولة الأيوبية منذ قيامها. 2- خوفه من أن تنقلب المماليك الكاملية والأشرفية عليه، إذا رجحت كفة أعدائه (الذين انقلبوا على أخيه العادل الثاني من قبل). 3- خوفه من الاتفاق بين البيت الأيوبي، بزعامة عمه إسماعيل ضده ومهاجمتهم لمصر.
وينتقل المؤلف لتبيان حقيقة أنه وجد الصالح نجم الدين أيوب، أنَّ الحل يكمن في إبعادهم عن العاصمة. وهنا نتذكَّر ما فعله المعتصم مع الأتراك، فوقع اختيار الصالح على جزيرة الروضة في النيل، حيث قام ببناء قصر أحاطه بسور سكن فيه. كما أنه بنى لهم قلعة خاصة وأسكنهم فيها، لذلك عرف هؤلاء المماليك باسم (البحرية الصالحية)، وكانوا نواة دولة المماليك الأولى.
ويشير الدكتور حسام الدين عباس الحزوري، إلى أنه اختلف المؤرخون، في تسمية "المماليك البحرية"، كما اختلفوا حول أوَّل من تسلطن من المماليك فتعددت الآراء في ذلك. فابن دقماق مثلاً اعتبر المعز أيبك أوَّل سلطان مملوكي. وقد أيده في ذلك القلقشندي. في حين خالفهم غالبية المؤرخين وعلى رأسهم المقريزي الذي عد "شجرة الدر" أوَّل من ملك مصر من المماليك.
ومن الواضح أن قيام شجرة الدر في السلطنة كان البداية العملية لدولة المماليك، لأنها كانت بحكم أصلها الأرميني أقرب إلى المماليك منها إلى الأيوبيين. وهكذا يمكن القول بأنَّ دولة المماليك الأولى قامت في شعبان 648 هجري/1250 م، على يد امرأة ذكية أرمينية أو تركية الأصل.
ولكن بعد وصول السلطان سيف الدين قطز إلى السلطة سنة 657 هجري/1259 م، وانتصاره على المغول في عين جالوت 658 هجري/1260م، دخل دمشق دخول الظافرين، وبذلك دخلت دمشق تحت الحكم المملوكي المباشر للمرة الاولى، وعهد الملك المظفر للأمير علم الدين سنجر الحلبي بنيابة السلطة فيها، ليكون أوَّل نائب للمماليك في دمشق.
ويلفت المؤلف الى انه شهد عصر المماليك، وبالتحديد عصر المماليك البحرية (648-784 هجري/1250-1382 م)، حياة غنية مزدهرة بمختلف النواحي الفكري، بالرغم من أن ذلك العصر، حدثت فيه العديد من الحروب الطويلة والثورات والاضطرابات والفتن- لأنَّه عصر كانت الريبة والشك هي السمة العامة فيه.
وقد عدَّ د. طه حسين عصر المماليك عصر تقدم ورقي. ويمكن أن يقال عن عصر المماليك إنَّه عصر دوائر المعارف وهذا يكفيه. وقد امتاز العصر المملوكي بأنَّه عصر ظهرت فيه الموسوعات الكبرى في الأدب والتاريخ والحديث والتفسير والفقه والحديث، كمؤلفات الإمام النووي وابن رجب والبدر العيني وابن تيمية وابن حجر. وفي التاريخ: ابن كثير وابن خلدون وابن تغري بردي.
وأما في الموسوعات العلمية فنجد العمري والقلقشندي والمقريزي وغيرهم. ومما يدل على النهضة الروحية والثقافية والعلمية ما تركه علماء وأدباء العصر المملوكي للأجيال التالية من خزائن الكتب ودورها بنفائس المؤلفات من جليل الآثار والتراث الضخم في مختلف العلوم والفنون.
وبلغ عدد دور القرآن في دمشق نيابة خلال العصر المملوكي الأوَّل (سبع) دور، بينما بلغ عددها خلال العصر المملوكي الثاني 8 دور، أي بزيادة دار واحدة ويكون المجموع 15 دارا. وهو عدد قليل إذا ما قورن بعدد دور الحديث ودور الفقه. وقد انتشر علم الحديث وتبلور وظهرت له المدارس، وعني المسلمون أي عناية برواية الحديث لفهم السنة والكتاب وللتبرك والتفقه.
وأوَّل من بنى دار حديث في الشام وربَّما كانت مدرسته الأولى من نوعها في بلاد الإسلام، نور الدين محمود بن زنكي، وكثرت دور الحديث بعد ذلك خلال العصر المملوكي وقد بلغ عدد هذه الدور تسعاً. كما تمّ إنشاء دور للقرآن والحديث، وكان هناك أربع عشرة مدرسة للمذهب الشافعي كالمدرسة التدمرية والطبرية، و8 مدارس للمذهب الحنفي.
كالمدرسة المرشدية والخليلية. وكان هناك عدد من الزوايا، إلى جانب مدارس لتدريس الطب وذلك في المستشفيات التي كانت تسمى (بيمارستان)، وهي كلمة فارسية تعني (موضع المرضى)، وكان عددها ثلاثة: البيمارستان القيمري في دمشق (أنشأه الأمير سيف الدين علي بن يوسف- من أكابر الأكراد وأعظمهم مكانة)، بيمارستان الرقة، بيمارستان غزَّة.
ومما يلفت النظر خلال العصر المملوكي إسهام النساء في الاشتغال بالعلوم الدينية، ومنها علم الحديث، مثل: فاطمة بنت إبراهيم البطائحي. ونشطت حركة التفسير، إذ كان مادة أساسية في بعض ما أنشئ من مدارس، وعرفت دمشق من رجاله ما يقارب الـ 23 عالماً، ومن أشهرهم ابن الجوزي والرقي الحنبلي، كذلك نشط علم الفقه وأصوله ومن أشهر الفقهاء.
الكتاب: الحركة الفكرية ومراكزها في دمشق في عصر المماليك البحرية/دراسة
تأليف: الدكتور حسام الدين عباس الحزوري
الناشر: وزارة الثقافة - الهيئة العامة السورية للكتاب- دمشق 2011
الصفحات: 253 صفحة
القطع: المتوسط