تصوّر رواية " في البدء كنت أنا"، للأديب محمود الفرا، حكايات مجتمعية مقترنة بسمات الأفراد وأحوالهم، وفق صيغة أدبية مشوقة، ويعكس فيها المؤلف ذاكرة جدّه وأبيه. ويبرز ضمنها أسلوب توصيف الفرا لمضمون حبكته الروائية، في الجملة التي ينهي الكاتب بها روايته، بما تحمله من دلالات وأبعاد رمزية فلسفية:" كنت العالم وكان العالم أنا .. في البدء كنت هناك، وفي البدء كنت ... أنا " . ويدرج الفرا تلك الجملة، بعد أن يكون قد أوصلنا، عبر صفحات روايته، إلى التأزم عبر التشويق والرؤى الفلسفية والانهيارات النفسية والعصب المشدود من أوّل الرواية حتى نهايتها.
تجري أحداث الرواية في مدن خمس، هي : كاليفورنيا، باريس، نيس، دمشق، بيروت . وفي هذه المدن تتشكل رواية، أقل ما يقال فيها، إنها عرفتنا على روائي متمكّن من عمله، خبير بما يقدمه لنا من معلومات وأخبار وحوادث.
وتبدأ الرواية بقصة شاب مهاجر، أو لنقل إنه في الأربعين، يعيش مع صديقته، فيحلم بفتاة يصادفها وحيدة على الشاطئ، ثم يتبعها. وفجأة يجد نفسه في حارات دمشـق القديمة، وتقوده الفتاة ليجد نفسه في الزقاق المعتم ذاته والمخيف . وهذا الحلم يقوده إلى دمشق، ليفاجأ بأنهم ينتظرون: أخته حنان التي تخبره بأنهم وجدوا صندوقاً مدفوناً في الحديقة عندما كانوا يحفرون، وأبو النور الذي استولى على البيت لدواع أمنية، وأبو جاسم المستأجر عند أبي النور الطابق الأرضي، والمختار والد " لميس " التي يحبّها " ممدوح " الشخصية الرئيسية.
وتعتمد الرواية على التشويق، فهي إذ تشدنا إليها بحوادثها العجيبة وأحلامها الغريبة، تبقى أسيرة الواقع، وتجعل من دمشق جنة على وجه الأرض. ونقرأ فيها: " كانت رائحة المكان تملأ كياني، رائحة مميزة تسكن أنفك في معظم بيوت دمشق، خليط من رائحة الهواء والأرض والسمن العربي والصابون ...).
تتبدى في الرواية تقنيات اشتغال وعناية المؤلف الفرا، ونستشف ذلك بقوة على خلفية سردها قصة حبّ عاشها الأب مع الفتــاة الفرنسية "روز" التي كانت تحبّ ضابطاً . جاء مع القوات الفرنسية إلى سورية، وجاءت معه ، افتتحت محلاً لتجميل النساء ، وراحت تزاول المهنة ، تتعرف الفتاة على الشاب "أحمد " الذي كان يبيع التوت الشامي ، فتحبه وتحبّ التوت ، ثم تتطور الأحداث ، وذلك بعد أن يعمل الشاب في المحل ، ويصطدم مع الضابط الذي يهين كرامـــة المرأة الفرنسية ، عند ذلك تحبّه روز ، " يتزوجان " وتنتج منه ولداً يشبه " ممدوح " إلى حد كبير " فرنسوا " . ثم يختفي الأب ، وتذهب " روز " إلى فرنسا ، إلى مدينة " نيس " ، ليلحق بها " ممدوح " بعد أن أصبح كبيراً وبرفقة " فرنسوا " الذي يذهل عندما يراه .
النساء يتبادلن الظهور ، أو هكذا يخيل إلينا ، فإذا لميس هي إيزابيل ، ثم تختفيان وتظهر روز ، في علاقة تبادلية ، لا تتم إلا في أحلامنا والكاتب يلعب بنا ، يخفي هذا ويظهـــر تلك ، ثم يخفيها مرّة ثانية ، في لعبة مشوّقـــة ، تحمل الكثير من المعاني والدلالات ، وكــل شخصيـــة تلعب دورها ثم تغيب لتسمح للشخصية الأخــــرى بأن تأخذ دورها ، وهكذا حتى تنتهـــي الرواية ، فإذا كل شخصية أدّت دورها ومارسته بإتقــان ودون مبالغـــــــة ، كما تخلصت الشخصيات من بساطتهـــا ومن عزلتها، فهي تدخل وتخرج دون حرج .
لقد استخدم الكاتب علم النفس الاجتماعي ليرصد لنا أحداث روايته التي ترصد أحداث وقعت منذ الاحتلال الفرنسي حتى الآن ، بأسلوب أقل ما يقال فيه إنه يعتمد الإثارة والتشويق دون ابتذال ودون إسفاف
رواية جديدة بروحها وبشكلها وتقنياتها ، فيها الكثير من الأحداث الواقعية وغير الواقعية ، فيها الكثير من الخيال والأحلام والرؤى المستقبلية ، إنها تعرفنا على روائي جديد يعرف كيف هو السبيل إلى قلوبنا ؟ فلنقرأها معاً ، عساها تضيف شيئاً إلى ثقافتنا .
الكتاب: في البدء كنت أنا «رواية»
تأليف: محمود الفرّا
الناشر: وزارة الثقافة الهيئة العامّة السورية للكتاب - دمشق 2011
الصفحات: 224 صفحة
القطع: المتوسط