تعددت الآراء الزاخرة بمختلف أشكال النقد، حيال الأديب الفرنسي الشهير ألبير كامو، صاحب رواية "الغريب"، والتي تمثل أحد أكثر الكتب قراءة في فرنسا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. ولم يبخل بالنقد أصدقاء كامو من اليساريين، وخاصة منهم مناصرو صديقه "اللدود" جان بول سارتر.

واليوم يقدم الفيلسوف الفرنسي ميشيل اونفراي، كتاباً جديداً يحاول فيه أن يعيد الاعتبار لكامو، بل ويرفعه إلى مصاف صانع نسق فكري تحرري، وأنه ليس مجرد فيلسوف جدير بمستوى طلبة الشهادة الثانوية، كما ينقل المؤلف عن أحد نقاده.

ويوزع ميشيل اونفراي تحليلاته عن البير كامو، في قسمين أساسيين، يحمل الأول عنوان: "المملكة المتوسطية"، كإشارة إلى سنوات الطفولة والشباب التي عاشها كامو على ضفاف البحر المتوسط في الجزائر. ويحمل الثاني عنوان: "المنفى الأوروبي"، أي ما يخص فترة حياة بطله في فرنسا، بعد مغادرته النهائية لموطنه الأول، الجزائر.

يشرح ميشيل اونفراي أن ألبير كامو، المولود في الجزائر العاصمة، تعلّم الفلسفة بالوقت نفسه الذي اكتشف فيه عالماً بقي وفياً له طيلة حياته. إنه عالم الفقراء والمظلومين والضحايا. وهو بالوقت نفسه أيضاً "عالم والده" العامل الزراعي البسيط، وعالم والدته الصمّاء والأمية، التي كانت خادمة في المنازل، ولكنها عرفت كيف تحافظ على فضائل الاستقامة والشجاعة والشرف والبساطة والكرامة.

وعبر تلك النشأة، وما تلاها من مسيرة الحياة، كان كامو، كما يصفه المؤلف، محباً للحياة، ومناهضاً للاستعمار وداعية للتحرر ومعادياً لكل أنماط الفكر الشمولي التوتاليتاري. ولا يتردد ميشيل اونفراي في أن يشنّ في كتابه، حرباً ضد "العالم الأدبي والفكري الباريسي"، في سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية، إذ كان الكذب نمط الحياة.

تجدر الإشارة في هذا السياق أن ميشيل اونفراي يوجه انتقاداً عنيفاً للفيلسوف جان بول سارتر، ويقدّم بالمقابل مرافعة حقيقية لرفعة شأن كامو. فسارتر، كما يصفه، لم ير زحف النازية الألمانية ولا الفاشية الإيطالية ولا الستالينية السوفييتية.

ويؤكد أنه لا يغيّر في ذلك الواقع شيئاً كون أن سارتر نادى بـموت المتعاونين مع النازية، ثم طالب بعد فترة بـموت المستعمرين الفرنسيين في الجزائر. ويتهم المؤلف جان بول سارتر بـتأرجح المواقف. وأنه لم يكن يمتلك استقامة المثقف التي تمثل شرطاً من شروط اكتساب صفة المثقف. ويشير إلى أن سارتر، وصديقته سيمون دو بوفوار قد "كذبا بصورة واعية تماماً"، فيما يخص معسكرات الاعتقال السوفييتية وحقيقة الحياة اليومية في الاتحاد السوفييتي عندما قاما بزيارة تلك البلاد.

وبالتالي فقدا الكثير من مصداقيتهما كمثقفين. وبالمقابل يشير اونفراي إلى أن ألبير كامو لم يتحدث طويلاً عن الالتزام على عكس ما فعل سارتر- ولكنه انخرط في صفوف المقاومة كسلوك طبيعي، لا يتطلب التوقف طويلًا عند أية اعتبارات. ويؤكد أن كامو لم يتلاعب أبداً بالألفاظ، وجعل من سلوكه "ترجمة لفكره". وإذا كان سارتر هو مؤسس الوجودية المزعوم، فإن اونفراي يرى في كامو الوجودي الحقيقي.

وفي المحصلة يبديه هذا الكتاب، بأحد وجوهه، عملاً في المقارنة بين سارتر وكامو، مع الانحياز الواضح للأخير. إن السمة الأساسية التي يطلقها المؤلف على فكر ألبير كامو، هو أنه كان تحررياً حقيقياً. وأنه كان معادياً لجميع أنماط الفكر الشمولي. بل ويذهب إلى حد القول ان من أكبر مفاخر كامو، أنه كان، من بين المفكرين الفرنسيين للقرن العشرين، أحد العلامات الفارقة النادرة، من أولئك الذين دافعوا عن الديمقراطية.

وذلك في الوقت الذي كان الأكثر شهرة من بين المفكرين، يعلنون انضواءهم الصريح تحت لواء الفكر الشمولي، من أمثال سيلين وفاليري وكوليت ومونترلان. وكذلك غيرهم من مفكري اليمين وسارتر وسيمون دو بوفوار ومرغريت دوراس، إلى جانب كوكبة معسكر اليساريين. فهؤلاء كانوا ولا يزالوا، في مقدمة رموز الأدب الفرنسي.

ويقول عن كامو أيضاً هو أنه كان اكتسب الكثير من أخلاقياته من ملاعب كرة القدم، حيث كان يشغل حراسة المرمى، عندما كان يتابع دراساته في الجزائر. الصورة التي يرسمها الفيلسوف ميشيل اونفراي لمؤلف كتاب:

"الإنسان المتمرّد" كتاب كامو الفلسفي بامتياز- هي أنه داعية للتحرر ومناهض للاستعمار، إذ كان على جميع الجبهات، من الهند الصينية في فيتنام، ووصولاً إلى إلى الجزائر. والتأكيد أنه اتخذ تلك المواقف كلها تحت عنوان تحرير "جميع البشر الذين كانوا تحت سيطرة أوروبا".

وفي الوقت نفسه كان كامو قد دعا منذ عام 1948، إلى تحقيق: "الولايات المتحدة الأوروبية". وبكل الحالات يحدد ميشيل اونفراي القول ان مصادر استلهام كامو الكبرى، كمنت في "العبقرية التحررية الأسبانية" و"كومونة باريس". ولا يتردد في تأكيده أن كامو كان يعتقد بقوة، أنه ما كان ينبغي للجيش الفرنسي أن يطأ الأرض الجزائرية، في العام 1830.

 

 

 

 

 

الكتاب: النسق الفكري التحرري الفيلسوف ألبير كامو

تأليف: ميشيل اونفراي

الناشر: فلاماريون باريس 2012

الصفحات: 602 صفحة

القطع: المتوسط

 

 

 

Lordre libertaire

Michel Onfray

Flammarion - Paris- 2012

602 p.