ينبض قلب البعض بحب الكتب. ويرى آخرون أنها مساحة للحرية، وحتى أولئك الذين يوجهون اليها النقد، فإنهم لا يفعلون ذلك أبدا بحقد أو ضغينة. ويتفق الجميع على أن الكتاب خير أنيس.

والكاتبة والمؤرخة الفرنسية منى اوزوف تكرّس منذ 40 سنة أغلبية كتاباتها المنتظمة على أعمدة مجلة "نوفيل اوبسرفاتور" الباريسية، للحديث عن الكتب والكتّاب، من توكفيل حتى جان بول سارتر، ومرورا بفولتير وفلوبير وجورج صاند وغيرهم. وتلك الكتابات يجمعها اليوم كتاب صدر مؤخرا تحت عنوان "قضية الكتب".

وبالمقابل ترى المؤلفة ان "أعداء القراءة"، في عالم اليوم، يتمثّلون بصورة أكثر عمقا، في صعوبة تأمين المجتمعات التي نعيش فيها بالشروط التي لا بدّ منها للقراءة، وتقصد بذلك: "الصمت" و"العزلة". وتضيف المؤلفة توصيف الضجر بمعنى أن البشر أصبحوا على حالة من الانشغال المستمر التي تمنعهم من إيجاد أوقات الفراغ، وبالتالي يدفعهم الضجر الى الاحتماء في الفسحة التي قد يؤمنها كتاب.

إن المؤلفة تلجأ، بغية إثبات ذلك، إلى المقارنة بين "كيفية تمضية الوقت"، بالطريقة التي كانت تعيشها في سنوات شبابها، وبين حال حفيداتها اليوم. فترى ان الحفيدات لديهن الكثير مما ينبغي عمله من نشاطات، حسبما يعبّر الأهل الحريصون على تنفيذ البرنامج كاملا.

وتتذكر منى اوزوف في هذا السياق، أنه لم يكن لديها ما تفعله من "مشاريع" في أيام الآحاد والعطل. ولم يكن هناك أي تنظيم لأوقات الفراغ. وبالتالي كان الكتاب هو الملجأ، باعتباره "المخرج الوحيد" من حالة الفراغ والسأم، في فترات ما بعد الظهر التي لا تنتهي.

ومن الملاحظ أن مؤلفة الكتاب لا تركّز كثيرا في الشرح الذي تقدمه لأزمة القراءة، على التكنولوجيات الجديدة، وخاصة شبكة الانترنت التي غدت ملجأ الشباب ضد السأم. والأمر نفسه بالنسبة لألعاب الفيديو والهواتف المحمولة والرسائل الإلكترونية، وكل ما يمثل وسيلة بالنسبة للشباب كي يتواصلوا مع الآخرين. وتشير المؤلفة الى أن الكتاب يتميّز عن هذه "الأدوات في التواصل"، بما يحتويه من عنصر المفاجأة والخوض في المجهول.

ومن خصوصية الكتاب أنه يثير الخوف لدى البعض، ما يدعوهم أحيانا إلى حرقه. وتتم الإشارة إلى أنه كان هناك دائما في العقول، كما في المجتمعات ذات الطابع الشمولي التوتاليتاري- حذرا حيال الكتاب. وبهذا المعنى تقول المؤلفة، انه ليس من المبالغة القول، ان قضية الكتب بالتحديد، قضية الحرية، وهذا ما أرادت أن تعبّر عنه في عنوان كتابها عندما حددته بـ "قضيّة الكتب"، تيمناً بالحديث عن قضيّة الحريّة.

وتتطرق مؤلفة الكتاب الى خياراتها المفضّلة في قراءة الأدب، معلنة شغفها بـ"أدب المراسلات" وتفضيله بلا تردد على اليوميات أو المذكرات. فالمراسلات تحتوي فكرة تبادل الآراء. وتشير بهذا الصدد إلى جمال المراسلات المتبادلة بين غوستاف فلوبير، صاحب رواية "مدام بوفاري" والسيدة جورج صاند، أول أديبة فرنسية.. تطلق على نفسها تسمية رجل جورج.

وهذه المراسلات تمثل بنظر منى اوزوف، اللقاء غير المحتمل بين كائنين: "متنافري الطبيعة". ففلوبير كان يصف أدب جورج صاند بأنه أدب نسائي، بمعنى أنه "أدب سائل يشابه الدموع والحليب". وفي "قضية الكتب" ترافع المؤلفة عما كان قد قاله الكاتب والمناضل الفرنسي جان جوريس ، ضد نشوب الحرب العالمية الأولى ( جرى اغتياله بسبب ذلك )، إذ إنه ينبغي على كل إنسان اللجوء إلى طلب مساعدة الكتب من أجل فهم العالم.

 ثم القول ان متعة القراءة لا تشكل هدفا بحد ذاتها، ولكنها وسيلة لربط صاحبها بالآخرين وبالماضي وبالحاضر. وفي هذا السياق تتحدث المؤلفة بحماس، عن "هوى الكتب"، وعن "قضية الكتب"، باعتبار أنها تمثل معركة ينبغي خوضها ضد آلاف الأخطار التي تهددها، وفي مقدمة هذه الأخطار عدم قراءتها.

والكتب "ضرورة"، كما تقول المؤلفة، إذ إنها وسيلة للانفتاح على العالم وللتواصل معه. ثم إنها وسيلة لدفع التفكير إلى الأمام، وللتعرف على التاريخ ولإدراك حقيقة واقع المجتمعات، بما تؤمنه من التأمل بمختلف القضايا الجوهرية المتعلقة بحياة البشر وعلاقاتهم.

هذا ناهيك عن الثراء الذي تؤمنه الكتب، من خلال التعرّف إلى عوالم المفكرين والكتّاب والمبدعين، الذين تركوا بصماتهم على المسار الإنساني كله. وكان بعضهم، كما تقول، قد ساهم في صياغة التاريخ الفرنسي نفسه، وليس أقلهم شأنا مونتسكيو وفولتير وروسو.

 

 

 

 

 

 

الكتاب: قضية الكتب

تأليف: منى اوزوف

الناشر: غاليمار باريس- 2011

الصفحات: 547 صفحة

القطع: المتوسط

 

 

 

La cause des livres

Mona Ozouf

Gallimard - Paris- 2011

547 p.