عرفت رفوف المكتبات الفرنسية والعالمية، عددا كبيرا من الأعمال التي مثّل الشاعر الفرنسي الكبير شارل بودلير موضوعها. وقد أضيف لهذه الأعمال مؤخرا كتاب للباحث الإيطالي روبرتو كالاسو، تحت عنوان: "جنون بودلير". إن المؤلف، وانطلاقا من بودلير وأعماله، يرسم لوحة شاملة :"بانوراما" جمالية وفكرية للحقبة التي عاش فيها الشاعر الكبير. وعبر بودلير أيضا يتم الحديث عن الكيفية التي رأى بها رسّامو العالم كبارا مثل انغر ودوغا.

ان عنوان الكتاب "جنون بودلير"، مأخوذ من جملة للناقد سانت بوف، جاء فيها: "لقد وجد بودلير وسيلة لبناء كوخ غريب في طرف قطعة من أرض لا سكان فيها، وفيما هو أبعد من تخوم الرومانسية المعروفة، حيث تُقرأ أشعار ادغار بوو (...). هذا الكوخ الفريد المصنوع (...) أسميه جنون بودلير. إن المؤلف بودلير- سعيد كون أنه عمل شيئا مستحيلا حيث كان يسود الاعتقاد أنه ليس هناك من يستطيع الذهاب إلى ذلك المكان".

إن الرهان الجوهري لهذا الكتاب هو البرهان على أن ذلك "الجنون- الكوخ" عرف بعد بودلير عددا كبيرا آخر من الزائرين. ذلك أن المكان كشف عن أنه بالوقت نفسه "أرض الأدب المطلق". هذا ما يشرحه الكاتب الإيطالي على مدى الفصول السبعة التي يتألف منها الكتاب وبالاعتماد على كمٍ كبير من الشواهد الدقيقة".

ويقدم المؤلف أعمال بودلير وأشعاره خاصة في ديوانه الشهير "أزهار الشر" على أنها بمثابة "الخلية الأساسية" التي استقى منها كتّاب وفنانون كبار أفكارهم. ذلك ليس على صعيد بلاده وقرنه فحسب، لكن عبر توسيع نفوذه وصولا إلى كتاب ومبدعين أوروبيين تأثروا بطريقة أو بأخرى بـ"جنون بودلير".

ويرى روبرتو كالاسو أن "تحرير كتاب يبدأ عندما يكتشف صاحبه أنه مدفوعا نحو اتجاه معيّن ونحو أفق ما قد يكون أحيانا متناهيا في الصغر وقد لا يتعدّى عدة درجات". هكذا يبدو هذا الكتاب وليد الانجذاب نحو ذلك "الكوخ المظلم" الزاخر بأشكال السمو وأنواع السقوط نحو الأسفل، لكن حيث "كشف بودلير عن خبايا قرنه وربما القرن الذي يليه".

إن مادة هذا الكتاب تبدو بمثابة سلسلة متتالية من المقولات المتتالية التي لا يظهر بينها أي رابط واضح. ذلك أن "الجملة" تتالى من ستندال إلى كافكا ومن مالاراميه إلى رامبو بـ"حركة بطيئة" ولكن بـ"عدد كبير من وجهات النظر".

ومنذ الفصل الأول من الكتاب يبين المؤلف كيف أن بودلير كان "خبيرا عميقا في مكنونات الإهانة". ويرى أن علاقته مع أمه "كارولين" ومع زوج أمه "الجنرال اوبيك" شكّلت "المادة الأولى" لتلك الإهانة. والإشارة أن هذه المسألة تجد صداها في جميع أعمال بودلير حيث "نفس القصص ونفس رسائل بودلير إلى أمّه".

وقد جاء في إحدى تلك الرسائل: "توجد في طفولتي حقبة من الحب القوي لك. تصفّحي ما أكتبه دون خوف. إنني لم أقل ذلك لك أبدا بهذا القدر (...). كان ذلك هو الزمن الرائع لأشكال حنان الأم بالنسبة لي. استميحك العذر لقول أنه كان الزمن الرائع عن الزمن الذي كان في غاية السوء بالنسبة لك. لكنني كنت لا أزال أعيش بداخلك (...). لقد كنت مثالا ورفيقا بالوقت نفسه".

تجدر الإشارة الى أن هذا الكتاب ليس عن سيرة حياة بودلير. ولكنه عمل يدعو للتأمل حول مكانة هذا الشاعر ودوره في الأدب والفن بعده. والمؤلف يقوم بما يسميه "تحريك الذكريات" وإعادة رسم المشهد الذي عاش فيه واستلهم منه بودلير.

من الواضح أن مؤلف هذا الكتاب قرأ كل شيء، أو تقريبا كل شيء، كتبه بودلير أو كتبه الآخرون عنه. إنه يقدم كمّا هائلا من التحليلات "المكثّفة" والحكايات الطريفة و"الجمل القصيرة" التي تبدو أحيانا وكأنها غير ذات أهمية، لكن يوظفها بحيث تصبح "حاسمة".

هكذا مثلا يبيّن روبرتو كالاسو في فصل مكرّس للرسامين الكبيرين "انغر" و"دولاكروا"، ودون قول ذلك صراحة، أن بودلير كان يميل بالأحرى إلى أعمال أنغر ويفضّلها على إنتاج دولاكروا الفني. مؤكدا أنه "ليس هناك من فهم رسم انغر مثله"، أي مثل بودلير. بالمقابل كان موقفه من "دولاكروا" ذا طابع "إيديولوجي" أكثر و"عقيم بالأحرى في مجمله".

إن كالاسو يصل بقارئه إلى هذه النتيجة بهدوء وكأنه "يداعبه" بينما يكون قد قام باستخدام نوع من "الصعقات الكهربائية" المتتالية و"مهّد" الطريق للوصول إلى النتيجة المرجوّة باعتبارها "السبيل الوحيد السالك".

ويؤكد المؤلف بأشكال مختلفة أن بودلير كان يفهم جيدا "ما يقوم بالهجوم عليه" وأكثر بكثير "مما كان يدافع عنه". وفي المحصلة كان "الحب" و"البغض" وجهان لعملة واحدة بالنسبة له.

إن مؤلف هذا الكتاب يقول أشياء كثيرة عن بودلير، لكنه يحدد حقيقته في "المنطقة السوداء من اللاوعي" لديه.

 

 

الكتاب: جنون بودلير

تأليف: روبرتو كالاسو

الناشر: غاليمار- باريس- 2011

الصفحات: 488 صفحة

القطع: المتوسط

 

 

La folie Baudelaire

Roberto Calasso

Gallimard - Paris- 2011

488 .p