نالت عاصمة السينما الأميركية هوليود، شهرة عالمية في مجال صناعة السينما وقدّمت لتاريخها عدداً من رموزها «الخالدين» الذين كانوا قد قدموا إليها من مختلف بلدان العالم . ولكن هوليود لم تلعب دوراً أساسياً في عالم السينما العالمية فقط، بل لعبت أيضاً دوراً في صياغة السياسة الأميركية. هذا ما يشرحه المؤرخ والأستاذ الجامعي الأميركي ستيفن، في كتابه الذي يحمل عنوان «هوليوود اليمين واليسار :

كيف صاغ النجوم السياسة الأميركية». وبعد أن قدّم ،ستيفن قبل سنوات كتاباً عن «السينما والمجتمع الأميركي» يعود اليوم لطرح الموضوع من زاوية أخرى، عبر التأكيد على حقيقة أن هوليوود شكّلت في الواقع، مركزاً أساسياً وحيوياً في الحياة السياسية الأميركية، منذ بداياتها في مطلع القرن الماضي :الـ20.

وما يكشف عنه ستيفن روس في التحليلات التي يقدمها، بناء على المواقف التي اتخذها نجوم السينما والمواقع التي شغلوها على رقعة الشطرنج السياسية الأميركية، هو أن تأثير هوليود في الحياة السياسية الأميركية، كان أطول وأعمق وأكثر تنوعاً مما يتخيله أغلبية الناس. وبهذا المعنى ينقل المؤلف عن السيناتور الأميركي آرلن سبيكتر قوله: «عندما تتكلّم هوليوود يصغي اليها العالم كلّه». وذلك بناء على «العلاقة الوطيدة التي تربطها مع البيت الأبيض».

ويتم التركيز على مدى العديد من صفحات الكتاب على البحث في حقيقة العلاقات التي قامت بين «ستوديوهات» هوليود وكبار نجومها وبين النخب السياسية الأميركية في واشنطن منذ مطلع القرن الماضي، عندما نقل أرباب الصناعة السينمائية نشاطاتهم إلى هوليود. والإشارة في هذا الصدد الى أن سنوات الثلاثينات في القرن الماضي، كانت قد عرفت ذروة «تسييس» هوليوود.

وبغية توضيح الدور السياسي الذي لعبته هوليود خلال القرن الماضي، يحاول المؤلف دراسة المسار «السياسي» لعشرة من كبار نجوم السينما في التاريخ الأميركي الحديث، ابتداء من شارلي شابلن الذي اتسمت أفلامه بمسحة «يسارية» واضحة، وحتى ارنولد شوارزنبيرغ «حاكم كاليفورنيا» لسنوات عديدة، وأحد شخصيات الحزب الجمهوري الأميركي.

وكذلك يتم التعرّض لممثلين كبار ذوي ميول يسارية بالمعنى العريض للتعبير، وهم: جين فوندا وادموند روبنسون وهاري بيلافونت ووارن بيتي. وأربعة من ذوي الميول المحافظة القريبين من الجمهوريين، وهم: رونالد ريغان ــ الرئيس الأميركي الأسبق، لويس ميير، جورج مورفي، شارلتون هستون. واللافت للانتباه هو أن المؤلف يتعرّض لدراسة حالتي ريغان ومورفي كثنائي، بسبب تشابك مسيريهما ومصالحهما.

إن المسيرة السياسية لكل نجم من هؤلاء، يقدمها المؤلف كـ«دراسة حالة» هوليوودية، اذ انهم استخدموا نجوميتهم السينمائية لغايات لها علاقة عضوية بالنشاط السياسي الأميركي. وتتم الإشارة في هذا السياق الى «الوعي السياسي» لبعض النجوم، مثل شابلن وهوندا بعد نيلهما الشهرة السينمائية. بينما تكونت قناعة بيلافونت وشوارتزنبيرغ السياسية قبل الدخول إلى عالم الشهرة.

وأمّا ريغان وهيستون فقد عرفت مسيرتهما السياسية تحولات كبيرة. ويجري التأكيد بأشكال مختلفة على أن التنوّع في الآراء السياسية، كان السمة الغالبة على التوجّه السياسي لممثلي هوليوود الكبار. وهكذا كان النشطاء السياسيون بين ممثلي هوليود والعاملين فيها، قد اتخذوا مواقف واضحة في ثلاثينات القرن الماضي، ولكن بطرق متعددة، حيال التهديد الذي شكّلته آنذاك الفاشية والنازية.

و في جميع الحالات، يؤكّد المؤلف أن أنصار معسكر اليسار الأميركي كانوا أكثر عدداً، وأكثر بروزاً على صعيد الممثلين والعاملين في حقل السينما عامة ضمن هوليوود، هم من أنصار معسكر اليمين فيها، إذ انه يتم توصيفها كثيراً على أنها كانت «عرين الليبراليين». ولكن ذلك لم يمنع واقع أن اليمين في هوليوود كان له تأثير ونفوذ أكبر من اليسار، فيما يتعلّق بوزنه في تحديد مسار السياسة الأميركية.

ولا يتردد المؤلف في القول: ان من ساهم في تغيير الحكومات الأميركية وتحويل آليات عمل الدولة من أجل إعادة صياغة السياسة الأميركية، هم أهل اليمين في هوليوود. وهكذا لعب عدد من المحافظين في هوليوود، خلال فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، دوراً سياسياً كبيراً. وكان في عداد من قاموا بذلك الدور، جورج مورفي ورينالد ريغان وشارلستون هيستون وارنولد شوارزنبيرغ. فهؤلاء جميعاً خاضوا معارك انتخابية على مستويات عديدة. وكانوا أكثر فاعلية كما كانت لهم أهدافهم السياسية. وتسلّموا مقاليد سلطة ربما كان عدد من الليبراليين واليساريين قد حلموا فيها، ولكنهم لم يحققوا حلمهم أبداً.

النتيجة النهائية التي يصل إليها مؤلف الكتاب صاغها بالقول: ان أولئك النجوم السينمائيين الذين اهتمّوا بالسياسة وساهموا في توجيهها، ربما «لم يكونوا مرغوبين في هوليوود». ولكن في العالم الذي نعيش فيه، والغارق أحياناً في ظلمات الجهل السياسي، ربما نحتاج للنجوم كي نرى.

 

 

 

الكتاب: هوليوود اليسار واليمين

تأليف: ستيفن ج.روس

الناشر: جامعة اكسفورد2011

الصفحات: 320 صفحة

القطع: المتوسط

 

 

 

Hollywood left and right

Steven J. Ross

Oxford university press- 2011

320 p.