يشرح الأستاذ الجامعي والباحث الاقتصادي جان هريفي لورنزي في كتابه: «المصير الرائع لقوة متوسطة»، المآل الذي يمكن أن تطمح إليه بلاده فرنسا. وهو يؤكّد منذ البداية، أن فرنسا ليست «قوة عظمى»، ولا «قوة متوسطة».

ولكنها اليوم القوة الاقتصادية السادسة على الصعيد العالمي، إنها قوة متوسطة ربما يمكنها أن تحظى بوزن كبير في العالم، متعدد الأقطاب الذي يتشكّل اليوم. وأما العقبات الكبرى أمام مثل هذا الدور، فيتم تحديدها بصعوبة فهم آلية عمل الاقتصاد العالمي. وكذلك صعوبة تطوير المؤسسات الفرنسية.

ويؤكد المؤلف، في أشكال مختلفة، في تحليلات الكتاب، أن فرنسا أكثر «دينامية» مما تعتقد النخب الفرنسية نفسها. وأن الأزمة العالمية المالية والاقتصادية التي انطلقت في خريف العام 2008، أعادت «خلط الأوراق» على الصعيد العالمي، مما يعطي فرنسا فرصاً كبيرة في الانطلاق، شريطة أن تعرف كيف تستفيد منها. وهذه الآراء يشرحها جان هيرفي لورنزي، على مدى فصول الكتاب الثمانية، ابتداء من أولها:

«نزعة الانحطاط الأزلية»، وحتى آخرها «خطوط مستقبلية من أجل قرن جديد»، أو حتى الحديث بينهما عن «أزمة عميقة» و«قوة وسيطة» و«بلاد وخطابان» و«عولمة يصعب هضمها» و«لا شيء انتهى» و«لغز الشيخوخة». كما تفيد الايضاحات الأولى في الكتاب بأن التوصيفات مثل القدر، تلصق على الجلد.

وهو يعود إلى ذلك التوصيف الذي أطلقه الرئيس الفرنسي الأسبق فاليري جسكار ديستان، في خطاب ذات يوم من مطلع شهر يونيو في العام 1979، عندما وصف فرنسا للمرّة الأولى، بأنها «قوة متوسطة». وكانت التوصيفات السائدة قبل ذلك التاريخ، التأكيد على أنها «قوة كبرى».

وطرح ذلك الخطاب الذي ألقاه الرئيس الأسبق جيسكار ديستان، والذي سمعه قليلون، وبقي في ذاكرة الأقل، بحسب المؤلف، طرح سؤالاً مزدوجاً يتعلق بـ«رتبة بلد ومكانة أمة». وأما رتبة فرنسا، فتتم تحديدها بمتوسطة وأن مكانتها عظيمة. ثم تقرأ في الكتاب:

«في الواقع كانت الدودة في الثمرة، وتلك الصعوبة في تحديد الموقع بدقة، وبالتالي صعوبة الوجود، استمرّت طيلة العقود الثلاثة التالية». والنتائج الاقتصادية لفرنسا لم تكن متوسطة، ولكنها بالكاد متواضعة، بواقع 1.5 بالمائة كمعدل نمو اقتصادي سنوي. وذلك بالإضافة إلى الاستخدام المنهجي لكلمة «الأزمة»، بحثاً عن تبريرات، وإظهار الإعجاب، بلا حدود، بالبلدان الأخرى. وخلال سنوات قليلة، فقد الاقتصاد الفرنسي قدرته على المنافسة، وتفرّده وأيضاً كفاءته في التجديد.

وعرف النظام الاجتماعي، بالتوازي مع ذلك، هزّات عديدة وكبيرة. ولا يتردد المؤلف في التأكيد أن فرنسا بلغت أرقاماً قياسية، في قلّة توظيف الكبار في السن، وفي معدّل بطالة الشباب. والإحصاءات المقدّمة تدل على ذلك، في ميادين النفقات الصحية والهجرة والمدرسة، وغير ذلك الكثير. وعلى مستوى التجارة الخارجية، خسرت فرنسا نسبة هامة من حصصها في الأسواق العالمية، وحتى في منطقة اليورو نفسها.

تتم الإشارة هنا إلى أن قسماً مهماً من النخب الفرنسية، رددوا خطاباً مغزاه أن فرنسا تمثّل بلاداً لا يمكن إصلاحها، وأنها تنتمي إلى الماضي، وأنها محاطة بجملة من الأمم، خاصة اسبانيا وإيطاليا، والتي لا تعرف أوضاعاً أفضل منها، باستثناء ألمانيا التي عادت للبروز من جديد، على اساس أنها «نموذج يُقتدى به».

ولا يتردد مؤلف الكتاب في إظهار غضبه الشديد من تعبير «قوة متوسطة»، بالنسبة لفرنسا، على قاعدة مدى ما ترتب عليه من سلبية. ومفهوم الوسيط ينبغي استخدامه «دون مراوغة أو محاباة». ولا بدّ أولاً من قبول فرنسا المعنية بالتوصيف، لنفسها كما هي باعتبارها ليست قوة عظمى، ولكنها ليست موضوع جلد ذاتي مستمر. كما انها ستبقى تحتل مرتبة تتراوح بين الخامسة والثامنة بين بلدان العالم. وهذه المكانة «الوسيطة» يجدها المؤلف «أكثر من مشرّفة».

ثم يلفت الى انه ينبغي عدم نسيان واقع أن فرنسا تمتلك نموذجاً اجتماعياً، تنبغي أقلمته مع القرن الحادي والعشرين، ولكنه يمتلك فصائل تؤهّل الفرنسيين للاعتزاز به. ثم يمكن لعجلة الزمن أن تدور نحو الأفضل. ويمكن للأزمة الاقتصادية العالمية الراهنة أن تكون «فرصة جيدة» لفرنسا وأوروبا في منظور عالم يتغيّر. بل ويؤكّد المؤلف أن الوقت حان كي يستعيد الفرنسيون، أفراداً وجماعة، الثقة بالنفس، فالمجتمع الفرنسي ذو دينامية عالية، ولكنه أضاع الكثير من مرجعياته.

 

 

الكتاب: المصير الرائع لقوة وسيطة

تأليف: جان هيرفي لورنزي

الناشر: غراسيه باريس 2011

الصفحات: 180 صفحة

القطع: المتوسط

 

Le fabuleux destin dصune puissance intermédiaire

Jean- Hervé Lorenzi

Grasset - Paris- 2011

180 p .