كتب كثيرون عن تشارل ديكنز. وقال النقاد عنه إنه مثّل عصره إلى درجة كبيرة، بحيث أصبح "رديفاً له"، وبالتالي من المهم جداً قراءته "في سياق عصره".

و"تشارل ديكنز في سياق عصره"، هو عنوان كتاب تقدمه الباحثة البريطانية والأستاذة الجامعية ساللي ليدج، حيث تحاول فيه إلقاء الضوء على العوالم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والغنية التي قدم ديكنز أعماله الخالدة في سياقها.

ما يتم شرحه في القسمين الرئيسيين للكتاب الذي يحمل الأول منهما عنوان: "الحياة والحياة بعد الموت". والثاني: "السياقات الاجتماعية والثقافية"، هو أن الحياة المهنية لتشارل ديكنز، تشمل مجمل أعماله كروائي وصحافي وناشر وقارئ عام. ومدافع متحمس عن الإصلاحات الاجتماعية. والمؤلفة تقدم شرحاً مفصلاً لديكنز في جميع هذه الأدوار، عبر "التنقيب" في صفاته الرئيسية. وعبر هذا كله يتم الكشف عن "وجوه مدهشة أحياناً للإنسان وعن "التنوّع الكبير" في صنعته.

وتوضح المؤلفة ان ديكنز من مواليد عام 1812، وهو الثاني من بين أسرة من ثمانية أطفال، ومن السمات الأساسية التي يتم التأكيد عليها في مسيرة حياته، هو أنه كان "نهماً" للقراءة منذ سنوات شبابه الأولى. وكان قد تحدّث في كتاباته اللاحقة عن العديد من "الذكريات القاسية" التي عاشها في طفولتــــه. وأما كتاباتــــه الأولى، فقد كانت أغلبيتهــــا عبر سلسلــــة متتاليــة من الحلقــــات في الصحـــف والدوريات. وإذا كانت النسبة الغالبــــة من الكتـــّاب قد نالت شهرتها بعد نشر عمل روائي كامـــل، فإن ديكــــنز قد "كرّس شهرته" أولاً عبر الكتابة في حلقـــات. وخاصة أنه برع فـــي جعـــل الجمهور "يتشوّق" كل مرّة، لمعرفـــــة ما تخبئــــه الحلقة المقبلة.

ومن السمات التي يتم التأكــيد عليها في فن كتابة تشارل ديكنز، أنه كان من هواة أدب القرن الثامن عشر، وأنه كان يعشق الأمكنة، ذلك إلى درجة أن العاصمة البريطانية لندن، أصبحت أحد "شخوص" أعماله الروائية. إن الكثير من مظاهر المدينــة تجد توصيفها في مجمل تلك الأعمال.

وفي كل الحالات تميّز أسلوبـــه بقدر كبير من الحس الشعري. ولكن العامـــل الأكبر في اكتسابه شعبية كبيرة، يتم تحديده في التحليلات المقدّمة بسخريته اللاذعة، من الطبقة الارستقراطية الانجليزية التي تتمتع بقدر كبير من التملّق والتظاهر بالرفعة.

وتتم الإشارة في هذا السياق، إلى أن أسماء العديد من "شخوص" رواياته لها دلالتها على الأدوار التي تلعبها، مثل شخصية "موردستون"، في رواية دافيد كوبرفيلد، حيث تدل التسمية على التوليف بين "القتل" و"برودة الحجر". وعلى خلفية "التوليف" نفسها، يتم وصف الأسلوب الأدبي لتشارلز ديكنز، بأنه خليط من "الخيال الجامح- الفانتازيا" و"حس الواقع".

وتظهر إحدى ملامح "انسجام" ديكنز مع "سباق العصر"، الذي يعيش فيه في التشابه الكبير بين شخوص رواياته والبشر الذين يعيشون في الواقع، حيث كان من السهل على القارئ أن يجد نفسه في هذه الشخصية أو تلك. وحتى المواصفات البدنية تتشابه بين النموذجين: "الروائي" و"الواقعي". ذلك ما كان قد عبّر عنه أحد أصدقائه "جون فورستر" بالقول إن ديكنز يهب الحيوية لأشخاص حقيقيين، ليس عبر وصفهم، ولكن عبر تركهم يقومون بتوصيف أنفسهم".

و"تتجاوز" أعمال ديكنز سياق عصره، من خلال البعد الاجتماعي الذي تحتوي عليه رواياته. وهي تحتوي على كمٍ كبيرٍ من النقد اللاذع للفقر "مصدر الألم الحقيقي للكثير من البشر". وكذلك النقد لـ"التراتب الاجتماعي" الهرمي خلال الحقبة الفكتوريـــة- حكم الملكة فكتوريا-. ومثل ذلك النقد برز بوضوح في رواية ديكنز التي تحمل عنوان: "اوليفر تويست"، بما احتوت عليه من صور الفقر والجريمة. وكأن الأمر كان يتعلق بتوصيف الأحياء القصديرية المحيطة بلندن آنذاك.

 

الكتاب: تشارل ديكنز في سياق عصره

تأليف: سالي ليدجر

الناشر: جامعة كمبردج- 2011

الصفحات: 416 صفحة

القطع: المتوسط

 

 

Charles Dickens in context

Sally Ledger

Cambridge University Press - 2011

416 .p