يتحدث كتاب «مائة عام من العذاب» لمؤلفه الدكتور محمد كامل الخطيب، عن تاريخ سوريا بشكل مقتضب، ويحكي عن تأثير الأفكار والنظريات المتبادلة مع الجوار، ولا سيما تركيا الأتاتوركية، دون الخوض بشكل مباشر في الأزمة السوريّة.
ويشير المؤلف في الصفحات الأولى من كتابه إلى أنّ أتاتورك (مصطفى كمال أتاتورك الجنرال التركي الذي طوى صفحة العثمانيين وثقافتهم كلياً في تركيا)، استطاع أن يبني دولة علمانيّة حديثة، ولكن العرب فشلوا في تحقيق ذلك.
ويفرد الخطيب جل ابحاث كتابه للحديث عن سوريا ولحظتها الراهنة، معتبراً كتابه هذا، كما يقول، بمثابة مشاركة «الأيام السورية اللاهبة، بل وتحديد موقف من تاريخ المأساة السورية كما أراها، عبر أو بعد عرض تاريخها». وينتقد المؤلف، بشكل مبطن، الليبراليين واليساريين العــــرب الذين بقوا يبدون إعجابهم بالنمـــوذج الأتــاتــــوركي ــ الجمهوري التركي.
ويذكر على سبيل المثال المفكر صادق جلال العظم الذي أشار في أحد حواراته إلى امكانيّة الاقتداء بالنموذج السياسي التركي الحالي، ويضيف الخطيب:«..الجديد اليوم أن الإسلاميين العرب يفعلون الشيء نفسه من جهة الإعجاب بالنموذج التركي الحالي».
وقسم الخطيب كتابه إلى عدد من الفصول، يبحث في مضمون وواقع حقبة انتهاء دولة الخلافة العثمانية وسوء الفهم المتبادل بين العرب والأتراك، وما تبع العملية من محاولات لبناء الدولة الحديثة في كل من تركيا والبلدان العربية وسوريا تحديداً، حيث نجحت تركيا، كما يقول الخطيب، وأخفقت البلدان العربية التي انفصلت عن الدولة العثمانية والتجربة التركية، في بناء دولتها المدنية الجديدة.
ولا يغفل المؤلف أن يدرج ويشرح موقفه بشكل واضح من الثورة وحالة الحراك السياسي في سوريا، إذ يقول: «موقفي واضح: مع المواطنيين السوريين ضد كل أشكال القهر والحرمان والاستبداد السياسي والاجتماعي والإنساني، ومهما كان اسمها ولونها، وصفتها: دينية أم قوميّة أم عسكرية أم سياسية، التي يعيشونها منذ خمسين عاماً، أو تلك التي يحوم شبحها في الأفق».
ويرى الخطيب أنّ النظـــام السوري منذ عام 1963 إنما هو في جوهـــره نظام «أكـــرم الحوراني» أي النظام القائـــم على التحالف ما بين الفلاحين الفقراء والجيش وفقراء الأحياء الشعبيّة يدعمهـــم المثقفـــون اليساريـــون. وقد استمر هذا التحالف، حتى مطلــع القرن الحادي والعشرين، إذ انهار ــ موضوعياً. وانفرط عقده نتيجة التحولات الاقتصاديًة الجديدة في سوريا،.
وبروز ظاهرة المتمولين الجدد وخراب الريف وتضخم المدن، وهذا ما عنى أن البعث وعسكره ونخبته السياسيّة والماليّة الجديدة قد تخلوا عن تحالفاتهم وقاعدتهم الاجتماعيّة السابقة، وانحــازوا إلى طبقة الرأسماليين المتكونة حديثاً في ظل النظام الجديد وبواسطة قبضته الأمنيّة وفساده الاقتصادي، فكان طبيعياً أن تتخلى هذه القاعدة الشعبيّة عمن تخلى عنها، وربما كان ذلك أحد أهم أسباب التحركات الشعبيّة التي تشهدها سوريا اليوم.
ويطلب المؤلف ألا ننزعج من صراحة التاريخ وحقيقته، ويقول في هذا الصدد: «كانت محافظات حماه وحوران وحمص واللاذقية (الساحل) ودير الزور، هي أماكن قوة حزب البعث، تنظيماً وعسكراً وفكراً، خلال العقود السابقة ( 1948-2000)».
أما اليوم فإن حمص وحوران وحماه واللاذقية وديرالزور وإدلب وجوارها، مسارح رفض نظام البعث وأفكاره وديكتاتوريتة وأتاتوركيته الأمنيّة المحضة». ويتابع الخطيب:«هذه ليست مفارقة، لكنه التاريخ الذي لا يجامل أحداً. فلا تؤاخذوا التاريخ على صراحته وصرامته، ولا تتهموه بالتآمر!!!».
ويعرّج الخطيب في ختام كتابه على موقف لإحدى نشاطات المعارضة، ولا سيما النشاط الذي انعقد في دمشق في فندق سميراميس، ليعلق على ذلك، وأعتبره تمريناً على الديمقراطية. ويقول: «ببساطة لقد كان ما حدث في دمشق يوم 27 يونيو 2011، أياً كانت التوصيات التي اتخذت وأياً كان الموقف منها، تمريناً أولياً طريفاً وناجحاً على الديمقراطيّة.
وهو تمريــن أو تدريــب لا يسع المرء إلا أن يتمنــى لسوريا، سوريا الأفكار الجديدة ـــ تاريخياً ــ في المنطقة العربيّة أن يصبـــح فيها الحوار والديمقراطيـــة، مع المران والتدريب والمواظبــة، عادة وأسلوب حيــاة وسياسة وأسلوب عيش واجتماعاً مشتركاً.
وبحسب الخطيب، فإن ما جرى، كان شيئاً جديداً إذ يبدو أن الترتيب اليومي وكأنه خروج عن اليومي، لكنها كانت مأساة أن يبدو اليومي والعادي خلال عقود، حلماً شبه مستحيل أو معذباً، بل كان حلماً قاتلاً أحياناً.
الكتاب: مائة عام من العذاب
تأليف: محمد كامل الخطيب
الناشر: منشورات 120 فرع بيروت ــ 2011
الصفحات:87 صفحة
القطع: المتوسط