بعد أن كتب، والدموع تملأ مقلتيه، عملاً حزيناً تحت عنوان: "إنها لم تكن من دنيانا"، في رثاء ابنته "سولين" التي فارقت الحياة شابة يانعة قبل 15 عاماً، ها هو المذيع التلفزيوني الشهير والكاتب والروائي باتريك بوافر دارفور يعود للكتابة بالحزن نفسه واللوعة ذاتها، عن امرأة أخرى لها مكانة خاصة في قلبه، إنها "أمه" التي توفيت قبل شهور قليلة.

"توفيت والدتي هذا الصيف. لقد ماجت الأرض تحت قدميّ. ضاعت نقاط العلاّم في دربي، كما فقدت أمي. وبعد أن رحلت ابنتاي ها هو الموت يحوم من جديد حولي مرة أخرى. الكآبة تمتلكني، لكنني لا أستطيع الإفصاح عن ذلك فأمي منعت علي ذلك باستمرار.

كانت امرأة متحفّظة، ناضجة، مستقيمة، كريمة، وقورة، تمقت المرض والمستشفى (...). هل كانت تحب أطفالها؟ نعم بالطبع. هل قالت لهم ذلك؟ كلا. هل طبعت القبل على وجناتهم ذات يوم؟ ليس مؤكّداً. وكم هناك من الأشياء المسكوت عنها ستبرز بين الحياء والبوح؟ إنها ذكريات الطفولة التي تتفجّر كفقاعات".

يتحدّث المؤلف عن أمه الراحلة، بهذه الكلمات، ليرسم بعض ملامح صورتها التي غابت. إنه يعود في الوقت نفسه، إلى ذلك الفتى الصغير الذي كانه ذات يوم. ويعود إلى طفولته وأفعالها، وللبوح بمشاعره الخبيئة. إنه يمارس "التعبير عن العواطف"، كما يقول عنوان الكتاب. وهذه الأمور كلها وسيلته، كما يقول، من أجل "مجابهة" موت من وهبته الحياة منذ 64 سنة.

توفيت والدة المؤلف وهي في السادسة والثمانين من العمر. والتوصيف الأول الذي يقفز إلى رأسه هو أنها كانت امرأة جميلة، بهية الطلعة "خليط من ريتا هيوارث وغريتا غاربو، ليس أقل من ذلك"، كما نقرأ. إنها كانت "كريمة" بكل شيء "، سوى في إظهار العواطف".

وذلك مثلما يؤكد الابن اليوم. ذلك أن أسرة دارفور كانت في عداد العائلات التي لا يتم الإفصاح عن الحب في داخلها. ولم يكن ذلك بعيداً، كما يعترف باتريك بوافر دارفور اليوم، عن بحث الأولاد عن "الحنان" لدى النساء الأخريات.

وإذا كان حديث الذكريات يفيض على مدى صفحات هذا الكتاب، فإن باتريك بوافر دارفور يكشف عن ما يسميه "غرائز الميل إلى الانتحار"، والتي كانت تحوم وسط عائلته. فتلك الغرائز التي كانت وراء رحيل ابنته الشابة سولين منتحرة.

وهو يكشف في هذا السياق، أنه لم يكن هو نفسه بعيداً عن تلك الغرائز. ويؤكد أنه كان أكثر من مرّة "على حافة الهاوية". ولكن كان من الصعب الوقوع فيها عندما كانت أمّه "التي لا تحسن التعبير عن العواطف"، قد تركت حكمة تقول: "احفظ الآخرين واحفظ نفسك".

ويمثل الكتاب، قبل كل شيء، "صوت ابن"، وذلك لما هو صوت كل الأبناء: الصوت الكوني، أمام "الفراغ غير المتناهي للغياب". وكان اسم الأم مادلين فرانس، وقد رحلت دون أن تُبدي أي ألم، طيلة فترة مرضها الطويل. وكان من السهل عليها أكثر، أن تجتثّ ذراعها، من أن تشتكي من الألم".

ويشير المؤلف إلى أنه قبل أن يقصد منزل الأسرة، عندما أعلمه ابنه فرانسوا بخبر وفاة جدّته، ذهب إلى المقبرة حيث ترقد سولين وتيفاني، ابنتاه اللتان رحلتا، كي يخبرهما عن وفاة جدّتهما. كما ان الابنة الراحلة سولين نجد ما يذكّر بها مرات في هذا الكتاب، عبر الإعجاب الذي يبديه والدها بشجاعتها، لحظة إقدامها على الانتحار، اذ يقول: "وحتى لو كانت تلك الشجاعة قد سببت لي ألماً كبيراً، فإنها كانت بحاجة كبيرة لها كي تلقي نفسها على سكة المترو السريع".

الحقيقة التي يدركها المؤلف جيداً، كما يقول، هي أن أمّه قد رحلت مرة واحدة إلى الأبد، مثلما رحيل ابنتيه. وهو بكتابه هذا يريد تكريمها، ويحاول، في الوقت نفسه، كما يوضح، المحافظة عليها حيّة عبر الكتابة.

ويحكي دارفور، بأشكال متعددة، على مدى صفحات هذا الكتاب، مدى الحسرة التي يعيشها بعد وفاة والدته، إذ إنه لم يعرف كيف يتحاور معها، ولم يع كيف يتبادلان الكثير من الأحاديث خلال حياتها. وهو يوجّه، رسالة إلى الأحياء، كي لا يرتكبوا الغلط ذاته.

وأن يتعلموا لغة الحوار، وتبادل الأحاديث. وكذلك درس آخر يؤكد عليه باتريك بوافر دارفور، هو أنه على الرغم من المصائب الكثيرة والكبيرة التي تكررت في حياته، والتي لم تكن وفاة والدته، سوى آخرها، لا بد من حبّ الحياة والتصميم على الاستمرار. وهذا الكتاب يمثل في مجمله، نوعاً من "شهادة ابن" عن "آخر نزهة" يقوم بها متأبطاً ذراع تلك المرأة التي كانت قد وهبته الحياة.

 

الكتاب: التعبير عن العواطف

تأليف: باتريك بوافر دارفور

الناشر: ستوك- باريس- 2011

الصفحات: 134 صفحة

القطع: الصغير

 

 

Lexpression des sentiments

Patrick Poivre dArvorStock -

Paris - 2011

134 .p